فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 108

الوقفة الثانية:

أن ما ذهب إليه الأحناف في هذه المسألة معارض بما ذهب إليه الجمهور من القول بأن حرمة الربا لا تتغير بتغير الأماكن، فالربا حرام فوق كل أرض وتحت كل سماء، فلا يحل للمسلم أن يعامل الحربيين بالربا أخذًا أو إعطاء، وأدلتهم أقوم قيلًا وأهدى سبيلًا، ومن هذه الأدلة:

-إطلاقات النصوص الواردة في تحريم الربا والتي لم تقيده بمكان دون مكان، ولا بفريق من الناس دون فريق.

-أن حرمة الربا ثابتة في حق الكفار كما هي ثابتة في حق المسلمين على الصحيح من أقوال أهل العلم في مخاطبة الكفار بالحرمات، وقد قال تعالى: ?وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ? [النساء: 161] ، وقال تعالى: ?وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ? [المائدة: 5] ، وهذه الآية نص في مخاطبتهم بفروع الشريعة كما يقول القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن (1/ 647) ، ومتى كانت المحرمات أمرًا خاصًّا بالمسلمين في ديار الإسلام، فإذا خرجوا منها استحلوا محارم الله! والنبي × يقول: «اتق الله حيثما كنت» ؟! (رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي ذر، راجع: صحيح الجامع الصغير: ج 1، حديث رقم 97) .

-قياس حرمة الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب على حرمته بين المسلم وبين المستأمن في دار الإسلام، فإن المستأمن في دار الإسلام يجري تحريم الربا بينه وبين المسلم إجماعًا (راجع: المجموع للنووي: 9/ 443، والمغني لابن قدامة: 4/ 39) ، وممن نقل هذا الإجماع الأحناف أنفسهم (راجع: حاشية ابن عابدين: 5/ 186) ، فكذلك إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان، وإلا فهو التناقض الذي لا مهرب منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت