الوقفة الرابعة:
أن كثيرًا من أحكام الأحوال الشخصية ليس بوسع المسلم إقامتها خارج دار الإسلام فلا يستطيع أن يستعلن بزواجه بثانية، ولا يستطيع أن يمارس على زوجه حق التأديب، ولا يستطيع أن يلزمها بصلاة ولا حجاب ولا غير ذلك من شرائع الدين، ولا يستطيع أن يمارس حقه في طلاقها متى شاء إلا من خلال أنظمة القوم وأمام محاكمهم، فالطلاق عندهم من اختصاص القضاء وليس من اختصاص الأزواج، ولابد أن يكون مسبوقًا بفترة من الانفصال الجسدي، وهو عندهم لا يعترف برجعة ولا عدة، ولا يستطيع أن يحفظ ماله منها عند الطلاق، فهي مستحقة لنصف أمواله في هذه الحالة، على خلاف ما تقضي به الشريعة، ولا يستطيع أن يمارس على ولده حق التأديب، فلو اكتشف أنه نال منه، ولو بسواك، فله الويل مما يتعرض له من نتائج لعل من أبسطها أن يصادر عليه حقه في كفالته، وأن يودع في كفالة أسر بديلة تنشئه على الكفر بالله ورسله، ولا يستطيع أن يمنع ابنته من اتخاذ خليل لها إذا بلغت سن الثامنة عشرة، فإن فعل فالسجن له بالمرصاد، وعلى النقيض من ذلك فإن كثيرًا من الأحكام المالية يتسنى له إقامتها في هذه البلاد فيستطيع أن ينشئ من شركات الاستثمار ما شاء، وأن يضع لها من أنظمة التعامل ما شاء، ويستطيع أن ينشئ بنكًا أو ما يسمى (Credit Union) ويضع له من الضوابط ما شاء، لا يرد عليه في ذلك إلا ما يرد على سائر المؤسسات الاقتصادية من أخطار المنافسة وتلك سبيل ليس فيها بأوحد.
فالقضية في هذه المجتمعات ليست قضية مسائل أحوال شخصية متاحة ومسائل مالية أو مدنية غير متاحة؛ بل من كل ذلك ما هو متاح وما هو غير متاح، فيصبح الأصل في هذا كله هو قاعدة الوسع والإطاقة، فيقيم من جميع الأحكام ما أطاق إقامته سواء أكانت أحكامًا أسرية أو مدنية أو مالية أو سياسية، وما لا طاقة له به اجتهد في تلاشي الوقوع تحت طائلته ابتداء ما استطاع، وما عجز عنه من كل ذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله!