وإن كل ما سيق وما يمكن أن يساق من أدلة في هذا المقام لا ينصرف شيء منه إلى خصوصية التملك، وإنما ينصرف إلى مبدأ الاكتنان في ذاته، وفرق بين أن يكون الحديث عن مبدأ الإيواء أو الاكتنان في ذاته، وبين أن ينصرف إلى صورة معينة من صوره تملكًا كانت أو إيجارًا، فالاكتنان في مسكن يقي من الحر والبرد وعيون المارة وسائر العاديات هو الأمر الذي لا بديل منه ولا غنى عنه، وهو الذي تنصرف إليه كل الأدلة التي يحتج بها من يتحدثون عن أهمية السكن ومسيس الحاجة إليه، أما أن يجعل التملك في ذاته هو الذي يمثل الحاجة الأساسية، بحيث لا تندفع الحاجة إلى المسكن إلا من خلاله، فليس في أدلة الشرع ولا معطيات الواقع ما يؤيد ذلك بوجه من الوجوه.
وإذا كان أول الخلل في هذا المقام هو الخلط بين مبدأ الاكتنان في ذاته وبين شكل معين من أشكاله، وتنزيل الأدلة الواردة في الأول على الثاني، فلعل أول الرشد هو إزالة هذا الخلط ورفع هذا الالتباس، وإني لأرجو أن يمتهد من خلال ذلك سبيل إلى حسن التعامل مع هذه النازلة، وإلى التقاء المتنازعين فيها على كلمة سواء.
الوقفة الخامسة:
وهي حول نشأة هذه الحاجة التي يتسنى تنزيلها منزلة الضرورات في إباحة المحظورات، ومدى ما تبيحه من المحرمات.