ولقد كان المؤتمر الأخير بأمريكا أكثر وضوحًا في هذا عندما أغفل الإشارة إلى مذهب الأحناف بالكلية في توجيهه لقراره، وإن كان قد أشار إليه إشارة عابرة عند عرضه لمذهب المخالفين، وذلك في قوله: «وهناك من يرى المنع من استخدام طريقة التسهيلات البنكية ولو تحققت الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، وأنه ينبغي الاكتفاء بالاستئجار كبديل عن التملك بغض النظر عن المزايا المعروفة التي تفوت المستأجر استنادًا إلى الاتجاه الفقهي الذي يرى تحريم الربا في دار الإسلام وخارجها، وأنه لا يباح إلا للضرورة الشرعية، وليس للحاجة ولو كانت عامة» .
الوقفة الثالثة:
وهي حول تعريف الحاجة وشرائط تطبيقها والفرق بينها وبين الضرورة، فالحاجة في اللغة: ما تكون حياة الإنسان بدونه عسيرة شديدة، وفي الاصطلاح الفقهي: ما يفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المصلحة، فإذا لم تراعَ دخل على المكلفين - على الجملة - الحرج والمشقة.
أما عن شرائط تطبيقها فقد تحدث أهل العلم عن ذلك، فذكروا منها:
أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال، ومن ثم شرع الجهاد مع أئمة الجور، ذلك أن الجهاد ضروري لحفظ الدين، واعتبار العدالة في الولاة مكمل لذلك، والمكمل إذا عاد على الأصل بالبطلان لم يعتبر.
أن تكون قائمة لا منتظرة، فلا يشرع الأخذ بالرخص إلا إذا تلبس المكلف بأسبابها فعلًا، فليس لمن نوى السفر أن يستفيد من الرخص بمجرد النية؛ بل لابد من التلبس الفعلي بالسفر.
أن لا يكون الأخذ بها مخالفًا لمقصود الشارع، فإذا كانت الرخصة قد شرعت للتيسير وتحقيق حاجات الناس فليس لأحد أن يتحيل لإيجاد سبب يترخص بمقتضاه كأن ينشئ سفرًا ليقصر الصلاة أو ليفطر في نهار رمضان، أو أن يهب ماله لغيره فرارًا من الحج الواجب.
وأما عن الفرق بينها وبين الضرورة فإنه يفرق بينهما من عدة أوجه، منها: