فهل لنا أن نستأذن شيخنا الجليل في استخدام نفس العبارة فنقول: إن الأضعف لا يلغي الأقوى، وإن مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية، والذي حضره مندوبون وممثلون عن خمس وثلاثين دولة، قد قرر بالإجماع أن الاقتراض بالربا محرم، وأنه لا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة، وأنه ليس من حق فئة قليلة من الناس -أكثرهم غير متخصصين في الفقه ولم يخوضوا بحاره - أن تخالف هذا الإجماع، فتقرر أن تحريم الاقتراض بالربا تحريم ذرائع، وأنه تحله الحاجات؛ لأن الأضعف لا يلغي الأقوى؟!
إن من حق فضيلته - وهو الفقيه المجدد - أن يتغير اجتهاده، ولكن هل من حقنا نحن أن نقف مع ما قرره الجمهور من قبل من أن الاقتراض بالربا لا يترفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة؟ وهل لنا أن نطالب مع فضيلته أن تنعقد المجامع مرة أخرى للنظر في هذا الأمر إن كان قد جدَّ فيه جديد؟!
والخلاصة أن ما قرره المؤتمران من أن الإقراض الربوي هو الذي يعد وحده من المحرمات الذاتية فلا تحله إلا الضرورات، أما الاقتراض الربوي فتحريمه سدًّا للذرائع فتحله الحاجات، مما يحتاج إلى مراجعة متأنية مع استصحاب جميع التداعيات التي أشير إليها سلفًا عند تطبيق هذه القاعدة في واقعنا المعاصر.
الوقفة الثانية:
أن النصوص الواردة في هذا المقام تسوي في اللعن بين آكل الربا وموكله، فقد لعن رسول الله × آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه (رواه مسلم) ، وعند النسائي عن طريق آخر عن ابن مسعود قال: «آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه ملعونون على لسان محمد ×» ، وإنما خص الأكل بالذكر؛ لأن الذين نزلت فيهم آيات التحريم كانت طعمتهم من الربا، وإلا فالوعيد كما في الحديث ينال هؤلاء وهؤلاء، ويعسر مع هذه النصوص القول بأن تحريم إيكال الربا تحريم ذرائع يباح لمجرد الحاجات.
المرتكز الرابع
عدم التكليف بإقامة أحكام الشرع
المدنية والمالية والسياسية خارج دار الإسلام