لقد ذكر البيان الختامي الصادر عن المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث هذا المرتكز باعتباره وجهًا من وجوه الترجيح؛ لما ذهب إليه الأحناف من القول بأنه لا ربا في دار الحرب، وذلك عندما ذكر: «أن المسلم غير مكلف شرعًا أن يقيم أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها مما يتعلق بالنظام العام في مجتمع لا يؤمن بالإسلام؛ لأن هذا ليس في وسعه، وتحريم الربا هو من هذه الأحكام التي تتعلق بهوية المجتمع وفلسفة الدولة واتجاهها الاجتماعي والاقتصادي، وإنما يطالب المسلم بإقامة الأحكام التي تخصه فردًا، مثل أحكام العبادات وأحكام المطعومات والمشروبات والملبوسات وما يتعلق بالزواج والطلاق والرجعة والعدة والميراث وغيرها من الأحوال الشخصية» .
وقد أشبعنا مذهب الأحناف في هذه المسألة مناقشة وتعقيبًا فيما سبق، وذكرنا أن البيان الصادر عن مؤتمر الرابطة بأمريكا تجاهل في بيانه الختامي الإشارة إلى مذهب الأحناف أو التعويل عليه في صناعة قراره، واكتفى بالإشارة إلى قاعدة تنزل الحاجات منزلة الضرورات في إباحة المحظورات، وسواء أكان موقفه هذا سياسة حتى لا يساء فهم القرار عندما تطيره وكالات الأنباء، أو كان موقفًا فقهيًّا لما رآه من خطورة إشاعة مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة ووخيم عواقبه، فإن صياغة هذا المرتكز على هذا النحو يستوجب وقفات عديدة نوجزها فيما يلي:
الوقفة الأولى:
أن في هذا التعميم من الخطورة والمجازفة ما لا تحمد عواقبه، فإن هذا يفتح الباب واسعًا أمام الجاليات الإسلامية للتفلت من جميع أحكام المعاملات المدنية والمالية والسياسية بدعوى أنها خارج حدود الوسع والطاقة، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها! فلا يقف الأمر عند حدود الضرورات أو الحاجات؛ بل يصبح الأصل فيه هو الحل مادام قد خرج عن إطار التكليف والمطالبة.