فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 108

الوقفة الثانية:

أن تاريخ الإسلام حافل بالتضحيات التي تحملها المسلمون الأوائل إيمانًا واحتسابًا فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، فمنهم من ضحَّى بماله، ومنهم من ضحَّى بمكانته الاجتماعية بين قومه، ومنهم من ضحَّى بنفسه وجاد بدمه، ودائمًا كان الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما، ولم يستشعر أحد منهم الغبن، ولم يشتكِ أحد منهم أن الإسلام قد أضعف قوته أو أنقص ماله! فالقول بأن الإسلام يزيد المسلم ولا ينقصه ويقويه ولا يضعفه، قول صحيح على أن يتسع مفهوم القوة والزيادة ليشمل الجانبين المادي والمعنوي، ويمتد نطاقهما ليشمل الدنيا والآخرة معًا، إن صهيبًا الرومي لما تخلى عن ماله كله في سبيل الله تعالى، لم ينقصه الإسلام بل زاده بما يدخر له من النعيم المقيم والدرجات العلا في الآخرة، وإن مصعب بن عمير- وكان أرغد فتى في مكة- لما مات شهيدًا لم يجدوا له كفنًا يستر جسده؛ بل وجدوا ثوبًا قصيرًا إذا غطوا به رأسه ظهرت رجلاه، وإذا غطوا به رجليه ظهرَ رأسه، ولم ينقصه الإسلام بذلك؛ بل زاده علاء ورفعة بما ينتظره من نعيم الأبد في الآخرة. ونفس القول ينطبق على كل الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله! وإن من يتخلى عن المحرمات في كل زمان ومكان فينحسر بذلك ماله أو يضعف نماؤه لا يقال عنه إن الإسلام قد أنقصه وأضعفه؛ بل قد زاده زكاة وإيمانًا وطهرًا، كما أن الزكوات والصدقات لا تنقص مال أصحابها كما هو معلوم؛ بل تزيده طهرًا ونقاء وبركة، وقد أقسم النبي × على هذا المعنى عندما قال: «ما نقص مال قط من صدقة» (صحيح الجامع الصغير: ج 1، حديث رقم 3025) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت