القضية الثانية: وهي قضية إقامة العقوبات الشرعية على من يرتكب شيئًا مما يستوجب ذلك خارج دار الإسلام، فلا يرون إقامة الحد عليه لعدم توافر المنعة والشوكة التي يستظهر بها في إقامة الحدود، ولكن يلحق فاعل ذلك الإثم ويكون في خطر المشيئة بالنسبة للعقوبة الأخروية.
جاء في بدائع الصنائع للكاساني: «وأما الأحكام التي تختلف باختلاف الدارين فأنواع: منها أن المسلم إذا زنا في دار الحرب أو سرق أو شرب الخمر أو قذف مسلمًا لا يؤخذ بشيء من ذلك؛ لأن الإمام لا يقدر على إقامة الحدود في دار الحرب لعدم الولاية» (بدائع الصنائع: 7/ 131) ، فالقضية عند الأحناف في هذا المقام قضية إقامة حدود وتطبيق عقوبات، وليست قضية حل وحرمة، وإلا فهل يظن بهم القول بإباحة الزنا والسرقة وشرب الخمر للمسلم المقيم في دار الحرب؟!
ولسنا بصدد الرد على تخريج الأحناف في هذا المقام، فقد سبق تفصيل القول في ذلك، ولكن المقصود أن مذهبهم لا يفيد القائلين بحل القروض الربوية التي يدفع فيها المسلمون الزيادة إلى الكافرين على النحو الوارد في هذه النازلة.
ولا يغني في هذا المقام أن يقال: إن مذهب الأحناف جواز ذلك فيما كانت المنفعة فيه للمسلم، فإذا انعكست الآية وصار أخذ القرض منهم وإعطاؤهم الربا أوفر للمسلم كما في هذه النازلة وجب أن ينعكس الحكم بناء على أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا؛ لأن مذهب الأحناف في جواز أخذ الزيادة الربوية من الحربي معلل بأن أموالهم على أصل الحل، وأن الاستيلاء عليها برضاهم من جنس الاستيلاء على المباحات، فهو حكم مرتبط بتخريجه وعلته، ولا يخفى أن أموال المسلم بالنسبة للحربي ليست على أصل الحل؛ بل الأصل فيها الحرمة والعصمة، ومن ثم فلا يصح القياس العكسي في هذا المقام لوجود الفارق فتنبه!
المرتكز الثاني
تنزيل الحاجات منزلة الضرورات
في إباحة المحظورات