القضية الأولى: عدم انعقاد سبب التحريم ابتداء كما هو الحال بالنسبة لقضية الربا، فهم لا يستحلون الزيادة الربوية في دار الحرب باعتبار العقد الربوي؛ لأنهم لا يرون انعقاده ابتداء بين مسلم وحربي، وإن حصلت صورته ظاهرًا؛ وذلك لأنهم باعتبار تخريجهم السابق يرون أن الأصل في أموال الحربيين هو الحِلُّ، وأن المسلم حين ينال الزيادة منهم برضاهم، فإنما ينال ذلك باعتبار الرضا وليس باعتبار العقد، وبالرضا يرجع مالهم حلالًا كما كان، ويتحلل بذلك من قيد الأمان الذي حرم أموالهم عليه فتصبح أموالهم مباحة كغيرها من سائر المباحات، فلا تطيب له الزيادة باعتبار الربا؛ بل باعتبار الإباحة الأصلية، أي إن الأصل في أموالهم هو الحل، وكذلك الأمر بالنسبة لما رخصوا فيه من بيع الميتة أو الخنزير لهم لا ينظرون إلى عقد البيع في ذاته، وإنما ينظرون إلى كونه وسيلة إلى الحصول على أموالهم بطريق عري عن الغدر، فالميتة والخنزير بالنسبة للمسلم كالعدم، ليست مالًا متقومًا عنده، فإذا بذلها لهم ليحصل على أموالهم فقد بذل لهم لا شيء مقابل ما يناله من أموالهم، ولسنا بصدد الرد على هذا القول، فإن فساده ظاهر، فلا تزال هذه العقود محرمة، لا يزال حمل الخمر وبيعها محرمًا سواء حملها إلى مسلم أو حملها إلى حربي، ولا يزال بيع الخنزير محرمًا ... إلخ، ولكنها محاولة لفهم مذهب القوم، وبيان أن مرد هذه الفروع جميعًا إلى أن مال الحربيين مباح في الأصل، وأن هذه العقود الفاسدة كالعدم، وأن المسلم لا يستحل بها في ذاتها ما يناله من أموالهم، وإنما يسترضيهم بها فقط ليبرأ من الغدر، ثم ينال أموالهم بعد ذلك باعتبار حلها في الأصل بالنسبة له.