الوقفة الثانية:
أن هذا التعميم قد يقطع الطريق ويوهن العزم أمام محاولات الدعاة والمصلحين ممن يطالبون الجاليات الإسلامية بالسعي لإنشاء مؤسساتها المالية والسياسية لاستصلاح أحوالها والمحافظة على هويتها والاستقامة ما استطاعت على أحكام دينها. وإلا فما الذي يحمل الناس على التجاوب معهم مادامت هذه الدائرة ابتداء خارج إطار التكليف، وأن المسلم إنما يطالب فقط بإقامة الأحكام التي تخصه فردًا مثل أحكام العبادات وأحكام المطعومات والمشروبات والملبوسات وما يتعلق بالزواج والطلاق والرجعة والعدة والميراث وغيرها من الأحوال الشخصية؟! وعلام إذن دعوة المسلمين إلى المشاركة السياسية وإنشاء المؤسسات التي تتبنى ذلك وتدعو إليه؟ وعلام إذن دعوة المسلمين إلى استغلال مناخ الحرية المتاحة لإنشاء مؤسساتهم الاقتصادية التي تحافظ لهم على إطار إسلامي نظيف لاكتساب أموالهم وتثميرها؟ وما الفرق فيما يراه السادة أصحاب هذا القرار بين المطعوم والمشروب من ناحية، وبين المسكون من ناحية أخرى؟ لقد نظموا الجميع في سلك واحد عندما قرروا أن هذا من الضرورات الحيوية التي لابد من تحقيقها، ولو من خلال التعاملات الربوية، ثم فرقوا بينها هذه المرة، فاعتبروا أحكام المطعوم والمشروب واجبة التطبيق فوق كل أرض وتحت كل سماء، وجعلوا أحكام المسكون ليست واجبة التطبيق؛ لتعلقها كما قالوا بهوية المجتمع وفلسفة الدولة واتجاهها الاجتماعي والاقتصادي؟! وهل فات أحبابنا أن كثيرًا من أحكام المطعوم والمشروب مما يتعلق كذلك بهوية المجتمع وفلسفة الدولة واتجاهها الاجتماعي والاقتصادي؟ أليست إباحة الخمر ولحم الخنزير في هذه المجتمعات جزءًا من فلسفة الدولة واتجاهها الاجتماعي والاقتصادي؟ فلم نفرق بين المتماثلين أو نجمع في صياغة القرار بين المختلفين؟! فإن قالوا لنا: نحن نقصد بالنسبة للمطعوم والمشروب أن يقيم حكم الإسلام فيما يخصه منها فيتحرى الحلال في طعامه وشرابه ولا نطالبه بتغير