أنظمة الدولة؛ إذ لا قبل له بذلك، قلنا: هلا قلتم ذلك في المسكون أيضًا وفرقتم بين ما يخصه منها؛ أي فيما يعتقده من عقود خاصة به وبين ما يتعلق بأنظمة الدولة وآليات التعامل فيها، فألزمتوه حكم الإسلام في الأولى ووسعتم عليه في الثانية؟
الوقفة الثالثة:
أن هذا خلاف المستقر فقهًا من أن المسلم مطالب بأن يجتنب النواهي وأن يأتي من الأوامر ما استطاع: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطتعم» ؛ بل خلاف ما درج عليه جل القائلين بهذا القول في حياتهم العملية، وفيما قدموه إلى الأمة من آثار علمية، ولا تزال صحائف جهاد كثيرين منهم شاهدة بذلك، لقد ظلت كتابات صاحب الفضيلة الدكتور القرضاوي مثلًا، وكلماته تشحذ الهمم والعزائم، وتربي الأمة على التماسك والمحافظة على الهوية، والسعي ما وسعها الجهد في المحافظة على ما بقي من الدين، وفي تجديد ما بلي واندثر من رسومه وأعلامه، لم يقل للأمة قط ما قاله لها بعض المنهزمين: «ليس في الإمكان أبدع مما كان، اقتصروا على العبادات وقضايا الأسرة، وألقوا السلم لكل نظام وكل ذي سلطان لتريحوا وتستريحوا» ، ولو فعل ذلك لحقنت- فيما يراه البشر- دماء كثيرة، ووفرت جهود كثيرة. ولكن صدى كلماته، وكلمات أمثاله من الدعاة الهداة لا يزال يدوي في أعماق الأمة ينبه غافلها، ويوقظ نائمها، ويبعث فيها روح الإصرار والمقاومة، وكان لهم أبلغ الأثر في إفاقة الأمة، وفي انبعاث صحوتها، وفيما شيد على أرضها من مؤسسات إسلامية اقتصادية وغير اقتصادية، وما كتب هذه السطور وآلاف أمثاله إلا حسنة من حسنات أمثالهم وقبس من أنوارهم!