فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 108

الوقفة السادسة:

وهي حول الخلط بين مرتبة الحاجيات ومرتبة التحسينات في سلم تحقيق المصالح، فإن مفهوم الحاجة وفقًا لاصطلاح الأصوليين وكما سبقت الإشارة إليه في كلام الجويني هو ما يؤدي فواته إلى الحرج والمشقة، وهي كما يقول الشاطبي: «ما يفتقر إليه من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة» (الموافقات: 2/ 4 - 5) .

ويمكن أن يمثل لها في حالتنا هذه بشخص كثر عياله وضاق به مسكنه المستأجر واستشعر حرجًا في مقامه فيه، ومثل هذه الحاجة هي التي يدور الجدل حول إباحتها للمحرم أو عدم إباحتها له، فمرتبة الحاجيات دون مرتبة الضروريات؛ لأن الضروري هو ما لابد منه في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة؛ بل على فساد وتهارج وفوت حياة، ويمكن أن يمثل لها في حالتنا هذه بشخص غلقت أمامه أبواب الاستئجار وأبواب القرض الحسن، وتقاصرت إمكاناته عن الشراء الحال، وأصبح عرضة لأن يهيم على وجهه بلا مأوى، فمثل هذا هو الذي تنطبق عليه حالة الضرورة التي اتفق أهل العلم على أنها تبيح من المحظور ما يلزم لدفعها.

ومما سبق يتأكد أن الحاجة المقصودة في هذا المقام لا يقصد بها بطبيعة الحال مجرد الترفه أو التنعم أو محض التوسع والاستزادة من الملذات، فذلك أليق بمرتبة التحسينات التي عرَّفها الشاطبي بقوله: «الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات» (الموافقات: 2/ 5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت