فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 108

الوقفة الثالثة:

أن هذا المنطق قد يحتج به كل من تورط في الحرام، ويدفع به في وجه من يوجهونه إلى التوبة، ويستحثونه على التجافي عن المحرمات، سيقول لنا التاجر الذي يعتمد في تجارته على القروض الربوية: إن الإسلام يزيد المسلم ولا ينقصه، ويقويه ولا يضعفه، فكيف أتخلى عن تعاملاتي الربوية وتسعة أعشار تجارتي قائم على ذلك؟! وسيقول لنا من يتاجر في المحرمات بدوره: إن الإسلام يزيد المسلم ولا ينقصه ويقويه ولا يضعفه، فكيف أتخلى عن مشروعاتي التي ألفتها وتراكمت خبراتي فيها مع ما يعينه ذلك بالنسبة لي من الانهيار والشلل الاقتصادي؟ وسيقول لنا الكاهن والعرَّاف والساحر وسائر الدجَّالين نفس القول، وقد توجس بعض الناس في زمن النبوة من تحريم قربان المشركين للمسجد الحرام لما يجره ذلك - فيما يراه البشر - من بوار تجارتهم وكساد سلعهم فأنزل الله تعالى قوله: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ? [التوبة: 28] ، وعندما جاء أحد المصورين إلى ابن عباس وقال له: إني إنسان، إنما أعيش من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير، فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله × سمعته يقول: «من صوَّر صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدًا» ، فأصابه من الذعر والخوف ما أصابه واصفرَّ وجهه من هول هذا الوعيد! فقال له ابن عباس: «إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر: كل شيء ليس فيه روح» (رواه البخاري، فتح الباري: 4/ 525) ، فأرشده إلى البديل المشروع، ولم يجعل من مجرد حاجته إلى التكسب من مهنته مبررًا له للاستمرار فيما تحرمه منها الشريعة.

لا علاقة لهذه الدراسة بما اعتبر من قبيل التجاوزات الإجرائية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت