فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 108

إن الحاجة إلى الحرام لا تنشأ ولا يتصور وجودها ابتداء إلا إذا انعدم البديل المشروع الذي تندفع به هذه الحاجة، كما أن الاضطرار إلى الحرام لا ينشأ ولا يتصور وجوده ابتداء إلا إذا انعدم البديل المشروع الذي تندفع به هذه الضرورة، فإذا عم الحرام في كل ما تندفع به الضرورات أو الحاجات، تحققت هذه الحالة وامتهد السبيل إلى مناقشتها. فإذا قلنا مثلًا: إن الحاجة إلى كن يؤوي الإنسان ضرورة من ضروراته، ثم نظرنا من حولنا فلم نجد كنًّا إلا من خلال التملك، ولم نجد سبيلًا إلى التملك إلا من خلال القروض الربوية، فهنا يصح القول بتحقق حالة الضرورة التي تبيح لصاحبها من المحظور ما يلزم لدفعها، وينشأ في هذه الحالة سؤال: إن الضرورة قد تندفع بأدنى المساكن (مكان مغلق يقي من الحر والبرد والعاديات) ، فهل نكتفي بالوقوف عند مرتبة الضروريات في دفع هذه الحاجة، فلا نأخذ من المساكن إلا أدناها لأن الضرورة تقدر بقدرها؟ أم يمكن أن نتوسع قليلًا، فننزل إلى مستوى الحاجيات لما يؤدي إليه الوقوف عند مستوى الضروريات من عنت ظاهر ومشقة بالغة، لاسيما إذا عمت الحاجة واتسعت دائرة الضرورة وطال أمدها؟ هنا يأتي دور هذه القاعدة «الحاجات العامة تنزل منزلة الضرورات في إباحة المحظورات» ؛ لتحدث شيئًا من التوسعة الضرورية التي يؤدي غيابها إلى سقوط القوى، وانتقاض البنية، وصد الخلائق عن التصرف والتقلب في أمور المعاش! فيقال: إنه لا يلزم والحال كذلك أن يقف المضطر عند حدود الضرورة فقط؛ بل يأخذ ما يؤدي تركه إلى التضرر في الحال والمآل من غير ترفه ولا تنعم ولا خروج عن حد الحاجة إعمالًا لهذه القاعدة، وهذا هو الذي ناقشه إمام الحرمين الجويني في كتابه (الغياثي) ، وفصل القول فيه في تحقيق نفيس لم يسبق إلى مثله، ثم جاء بعده من أساء قراءته أو أخطأ تأويله!

الإمام الجويني وتحقيقه لهذه القاعدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت