فهرس الكتاب
أولا: ليس من شك في أنك أمام معاناة حقيقية ـ أيها السائل الكريم ـ وأنك أمام ابتلاء حقيقي لصبرك، وحرصك على تحري الحلال، رغم ما تعانيه من شدائد. وقد قال الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة/155 - 157.
قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله:"فهذه الأمور لا بد أن تقع، لأن العليم الخبير أخبر بها فوقعت كما أخبر، فإذا وقعت انقسم الناس قسمين: جازعين وصابرين؛ فالجازع حصلت له المصيبتان: فوات المحبوب، وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها، وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر، ففاز بالخسارة والحرمان، ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا والشكران، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان. وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب، فحبس نفسه عن التسخط قولا وفعلا، واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه، لأنها صارت طريقا لحصول ما هو خير له وأنفع منها، فقد امتثل أمر الله وفاز بالثواب، فلهذا قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} ، أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب."انتهى."تفسير السعدي" (75) .
ثانيا: اعلم ـ يا عبد الله ـ أن من أعظم ما يعني المبتلى على بلوغ منازل الصبر والرضوان: أن يحسن الظن بربه؛ وهذا أعظم أسباب فوزه وفلاحه في الدنيا والآخرة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي) . رواه البخاري (7405) ومسلم (2675) واللفظ له.
ومن حسن الظن بالله أن تعلم أن الله عز وجل ما كان ليمنع عبده عن باب من أبواب الحرام، حت يفتح له من الحلال ما يغنيه عنه، وما هو خير له. قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) الطلاق.
وفي مسند الإمام أحمد (20215) عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَقَالَ: (إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ) . صححه الألباني في"الضعيفة" (1/ 62) .
قال ابن القيم رحمه الله ـ الفوائد (47) ـ:
"ما أخذ العبد ما حُرِّم عليه إلا من جهتين: إحداهما: سوء ظنه بربه، وأنه لو أطاعه وآثره لم يعطه خيرا منه حلالا. والثانية: أن يكون عالما بذلك، وأن من ترك لله شيئا أعاضه خيرا منه، ولكن تغلب"