فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 94

و أشجع من سائر الصحابة، و هي الصفات المطلوبة في كل خلفاء المسلمين.

3 ـ و يروي الشيخ الطوسي [1] [26] في الصفحة 394 من كتابه"تلخيص الشافي" [2] [27] ـ كما نقل ذلك عنه المجلسي في الصفحة 63 من المجلد الثامن من"بحار الأنوار" [3] [28] ـ قصة السقيفة و البيعة لأبي بكر رضي الله عنه فيقول: (( ... عن أبي مخنف عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمر الأنصاري قال: أن النبي صلىلله عليه وآله لما قُبِضَ اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا: نُوَلِّي هذا الأمر من بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم: سعدَ بن عبادة، و أخرجوا سعدا إليهم وهو مريض فلما اجتمعوا قال لابنه أو لبعض بني عمه: إني لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلامي و لكن تلقَّ مني قولي فأَسْمِعْهم، فكان يتكلم، و يحفظ الرجلُ قولَه فيرفع به صوته ويسمِع أصحابه، فقال بعد أن حمد الله و أثنى عليه، يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين و فضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب ....(إلى آخر كلامه ) ))، ثم لما شعر الأنصار باحتمال عدم قبول قريش لذلك قالوا: (( منا أمير ومنكم أمير و لن نرضى بدون هذا أبدًا، فقال سعد بن عبادة لما سمعها:"هذا أول الوهن"و أتى عمرَ الخبرُ فأقبل إلى منزل النبي(ص) فأرسل إلى أبي بكر وأبو بكر في الدار و علي عليه السلام في جهاز النبي صلىلله عليه وآله ... إلخ. ))

و يروي نفس قصة السقيفة التي انتهت بالبيعة لأبي بكر رضي الله عنه، دون أن نجد في القصة أي كلام عن نصب الإمام علي خليفة من قبل الله و رسوله أو عن قصة الغدير.

و لقد جاءت في بعض كتب الشيعة الأخرى قصص و روايات مختلفة أخرى أيضا عن قضية السقيفة و موضوع الخلافة و البيعة لأبي بكر رضي الله عنه ومعارضة حضرة علي عليه السلام و رد فعل مؤيدي أبي بكر رضي الله عنه تجاه معارضة علي و سنتعرض لهذه الروايات في حينها إن شاء الله. أما ما يلزم التذكير به هنا، أنه خلال حادثة السقيفة و المحاججات التي جرت فيها و بعدها (طبقا لما روته كتب الشيعة والسنة) ، لم يأت أي ذكر لقضية غدير خم أو لكون علي منصوب من قبل الله ورسوله للإمامة و خلافة الرسول، لا من قِبَل أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) و لا من قِبَل المتحزِّبين لعليٍّ، مع أن المدة بين حادثة غدير خم و وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تزد عن 70 يومٍ فقط! حيث أن قضية الغدير ـ طبقا لكل التواريخ و لإجماع الشيعة ـ وقعت في 18 من ذي الحجة سنة 10 للهجرة أثناء عودة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من حجة الوداع، مع اتفاقهم على أن وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقعت في 28 من صفر سنة 11 للهجرة [4] .

فلو أن حادثة الغدير كانت حقا على النحو الذي يدعيه المدعون من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قام خطيبا في غدير خم، فيما يزيد على مائة ألف من أصحابه الذي جاؤوا معه لحجة الوداع، فخطب بهم خطبة طويلة مفصلة نصب فيها عليا خليفة له و إماما للمسلمين و أخذ له البيعة من الحاضرين جميعا، بل حتى في بعض الروايات أنه توقف في ذلك المكان ثلاثة أيام، ليأخذ البيعة له من جميع أفراد الأمة حتى من النساء، و أن حسان بن ثابت أنشد أبيات من الشعر في هذه المناسبة [5] [30] ، بالإضافة لقولهم أن رسول الله ذكَّرَ أكثر من مرَّةٍ بنصبه للإمام علي ـ بأمر الله تعالى ـ أميرا و خليفة له

(1) هو أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي الملقَّب بشيخ الطائفة، يُعْتَبر من رؤوس علماء و محدثي الإمامية و أعظم فقهائهم المتقدمين، طرد من بغداد فهاجر للنجف و توفي فيها سنة 445 هـ. (مت)

(2) كتاب لخص فيه كتاب"الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامة"للشريف المرتضى الملقَّب بعلم الهدى المتوفى سنة 436 هـ. (مت)

(3) من طبعة تبريز الحجرية القديمة و هي الطبعة التي كانت بحوزة المؤلف حيث لم تكن قد صدرت الطبعة الجديدة المحققة بعد. (مت)

(4) و لو اعتبرنا أن وفاة النبي (ص) وقعت في 12 ربيع الأول (كما يذكر ابن كثير في كتابه الفصول في سيرة الرسول، طبع 1402هـ، ص 220) فإنه يكون قد مضى على واقعة الغدير ثلاثة و ثمانون يوما فقط أيضا.

(5) يذكر العلامة الأميني في الجزء الثاني من كتابه الغدير (الطبعة الثالثة، ص 34) القصيدة التي قيل أن حسان أنشدها ذلك اليوم أمام الرسول (ص) و قال فيها:

يناديهم يوم الغدير نبيهم ... بخم و أسمِع بالرسول مناديا

فقال: فمن مولاكم و نبيكم ... فقالوا، و لم يبدوا هناك التعاميا

: إلهك مولانا و أنت نبينا ... و لم تلق منا في الولاية عاصيا

فقال له: قم يا علي، فإنني ... رضيتك من بعدي إماما وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليه ... فكونوا له أتباع صدق مواليا

هناك دعا: اللهم وال وليه ... و كن للذي عادى عليا معاديا

فينبغي أن نعلم أن لا أثر لهذه القصيدة في الديوان المعروف و المطبوع لحسان بن ثابت، و أن هذه الأبيات وضعت و صيغت في القرن الهجري الرابع فما بعد، ذلك أن أول من روى هذه الأبيات ـ كما صرح بذلك العلامة الأميني ـ هو الحافظ:"أبو عبد الله المرزباني محمد بن عمران الخراساني"المتوفى سنة 378 هجرية، أي بعد حوالي ثلاثمائة عام من رحلة النبي (ص) !! و عليه فهناك ـ في اصطلاح علم الرواية ـ انقطاع واضح و كبير في سند هذا النقل، أي رغم توفر الدواعي لنقله و اشتهاره، مضت قرابة ثلاثة قرون دون أن يكون لأحد من المسلمين خبر عنه!، و من البديهي أنه لو قيلت مثل هذه الأبيات في يوم الغدير، لا سيما في ذلك العصر، لتناقلتها الألسن بسرعة و لحفظت و انتشرت، في حين أنه حتى في آثار أهل البيت ـ عليهم السلام ـ و في أقدم كتب الشيعة الروائية و الكلامية، لا يوجد أدنى إشارة أو أثر لهذه الأبيات مع أنه من المفترض أن يستشهد بها نفس أمير المؤمنين و أولاده و شيعته و يحتجون بها مرارا و تكرارا على مخالفيهم و رقبائهم.

هذا علاوة على أن سند هذا الخبر، من ناحية رجاله، متهاو ساقط من الاعتبار لأن أحد رواته"يحيى بن عبد الحميد"، قال فيه أحمد بن حنبل: (( كان يكذب جهارا! ) ) (أنظر ميزان الاعتدال في نقد الرجال للحافظ الذهبي، دار المعرفة، بيروت ج 4، ص 392) . و راو آخر من رواته:"قيس بن الربيع"قيل فيه: (( لا يكاد يعرف عداده في التابعين، له حديث أنكر عليه .. ) ) (ميزان الاعتدال، 3/ 393) . و الراوي الثالث من رواته:"أبو هارون العبدي"و اسمه الأصلي"عمارة بن جوين"قال عنه أحمد بن حنبل: (( ليس بشيء ) )و قال ابن معين: (( ضعيف لا يصدق في حديثه! ) )و كذلك وصفه النسائي بأنه: (( متروك الحديث! ) )و قال عنه الجوزجاني: (( أبو هارون كذاب مفتر ) )و قال شعبة: (( لإن أُقَدَّم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أحدث عن أبي هارون ) ) (ميزان الاعتدال، ج3 / ص 173) .

أما بالنسبة لكتاب"سليم بن قيس الهلالي"فقد روى عن حسان بن ثابت أبياتا مختلفة مطلعها:

ألم تعلموا أن النبي محمدا ... لدى دوح خمٍّ حين قام مناديا

(كتاب سليم بن قيس، منشورات دار الفنون، مكتبة الإيمان، بيروت، ص 229)

و من العجيب أن العلامة الأميني لم يشر إلى أن الأبيات التي نسبها"سليم بن قيس"في كتابه لحسان بن ثابت غير الأبيات التي أوردها هو في الجزء الثاني من كتابه"الغدير"!

و كتاب"سليم بن قيس"قال عنه العلامة الحلي: (( و الوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه و التوقف في الفاسد من كتابه ) )و نقل عن ابن عقيل قوله: (( و الكتاب موضوع لا مرية فيه ) ) (انظر خلاصة الأقوال في معرفة الرجال للعلامة الحلي، منشورات رضي، قم، ص 83) . و كذلك قال ابن داوو الحلي: (( سليم بن قيس الهلالي ينسب إليه الكتاب المشهور و هو موضوع بدليل أنه قال إن محمد بن أبي بكر وعط أباه عند موته و قال فيه إن الأئمة ثلاثة عشر مع زيد و أسانيده مختلفة. لم يرو عنه إلا أبان بن أبي عياش و في الكتاب مناكير مشهورة و ما أظنه إلا موضوعا. ) ) (الرجال، لابن داوود الحلي، المطبعة الحيدرية، النجف، ص 249) .

و قال المرجع الكبير السيد أبو القاسم الخوئي زعيم الحوزة العلمية في النجف عن هذا الكتاب: (( و الكتاب موضوع لا مرية فيه، و على ذلك علامات فيه تدل على ما ذكرناه، منها ما ذكر أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت، و منها أن الأئمة ثلاثة عشر، و غير ذلك. قال المفيد: هذا الكتاب غير موثوق به، و قد حصل فيه تخليط و تدليس .. ) ). (انظر معجم رجال الحديث، طبع قم، الجزء الثامن/ ص 219) ( x) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت