كما يشاؤن فيَحْذِفون أو يحرِّفون على هواهم؟؟ ألم يكن نبي الإسلام صلىلله عليه وآله يتلو كل ما يتنَزَّل عليه من آيات على مسامع المسلمين الحاضرين، سواء في مكة أو المدينة، ثم يبلِّغها لمن كان غائبا، تنفيذا لأمر الله تعالى له بإبلاغ ما أنزله إليه، ليس للعرب فقط بل للعالمين، كما قال سبحانه في سورة الأنعام /91: {و أوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به و من بلغ .. } أو قال في سورة المائدة / 67: {يا أيها الرسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلَّغت رسالته} ؟؟
و هكذا فإن آيات القرآن الكريم كانت تُتْلى على مسامع عشرات الآلاف من المسلمين، و ليس هذا فحسب، بل كان المسلمون أيضا مأمورين بأن يتلوا القرآن بأنفسهم في الليل و النهار، و في صلواتهم الخمس، كما قال سبحانه: {فاقرؤا ما تيسر من القرآن} و قال: {إن الذين يتلون كتاب الله و أقاموا الصلاة و أنفقوا مما رزقناهم سرًا و علانية يرجون تجارة لن تبور .. } ، هذا و قد استجاب المؤمنون لهذا النداء الإلهي فكانوا كما وصفهم الله: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} ، فهل من عاقل يمكنه أن يصدق أن آياتٍ من القرآن كانت تُسمَع و تُتْلَى من قبل الآلاف وعلى مدار 23 عاما، تتعرض للنسيان بحيث أن لا أحد يذكرها و بحيث يتمكن عدد من الأشخاص من إسقاطها و حذفها دون أن يلتفت إلى ذلك أحد؟! إن الذي يدَّعي ذلك الادِّعاء إما جاهل أو كافر، أما المؤمن العارف بسيرة نبي الإسلام صلىلله عليه وآله و تاريخ صدر الإسلام فلا يمكنه أن يتفوَّه بمثل ذلك على الإطلاق.
و علاوة على ما سبق، ألم يضمن اللهُ تعالى ربُّ العالمين و مُنْزِلُ القرآن المبين حفظَ كتابه و صيانَتَه من الضياع أو التغيير و التبديل حين قال: {إنا نحن نزَّلنا الذكر و إنَّا له لحافظون} (الحجر/9) ؟؟ فهل نصدق قول الله تعالى الذي أنزل القرآن و أكَّد أنه سيحفظه أم قول ذلك الأحمق الجاهل الذي يدعي أن آيات من القرآن حُذِفَت أو حُرِّفَت؟؟
و أقر بعضهم بأنه لم تنزل في القرآن أية آية تتعلق بِـ"الإمامة المنصوص عليها"و أن الأئمة الاثني عشر ليس لهم ذكر في القرآن، و أن القرآن مصون من أي زيادة أو نقصان، و لكنه قال إن علة عدم وجود أي إشارة لهم في القرآن هي أنهم لو ذكروا في كتاب الله لقام أعداء الأئمة بحذف تلك الآيات من القرآن ولوقع التحريف في القرآن الكريم، و لذا لم تذكر أسماء الأئمة حفاظا على القرآن من أن تمسه يد التحريف!!؟
و هذا لعمري قول عجيب و حجة باطلة من أساسها، فكيف نقرأ قوله تعالى {ما فرطنا في الكتاب من شيء} الأنعام/ 38، ثم نقبل أن القرآن ترك ذكر أصل من أصول الدين و بيان أئمة المسلمين الذين معرفتهم شرط للنجاة يوم الدين، مهما كانت أسباب ذلك؟! ثم هل ينطبق ذلك الادعاء، مع الإيمان بالله تعالى القادر على كل شيء؟! أليس في قدرة الله تعالى أن يذكر الإمامة و الأئمة في كتابه و بنفس الوقت يصون كتابه من تدخل الأعداء و يحفظه. هل يعقل أن الله تعالى القادر المتعال الفعال لما يشاء يضطر لترك أمر يريده ويغير مشيئته خوفا من العمل المحتمل لحفنة من عباده الضعفاء؟!! لعمري إنه قول لا ينبغي لمسلم و محبِّ لعلي أن يتفوه به.
يستند القائلون بالنص إلى قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} المائدة / 67 كدليل على مدعاهم قائلين أن الذي أُمِرَ الرسول بتبليغه في هذه الآية هو النص الإلهي على خلافة علي و ولاية أمره.
و الجواب: أنه ليس في مضمون الآية و لا في سياقها أي شيء يفيد ما يقولونه أبدًا، فآيات سورة المائدة بدأً من الآية 13: {فبما نقضهم ميثاقهم لعنَّاهم و جعلنا قلوبهم قاسية ... } ثم الآيات 41 إلى 45: يبين الله تعالى فيها عصيان اليهود و طغيانهم و تعدِّيهم حدود الله، و عدم حكمهم بما أنزل الله إليهم في التوراة، ثم من الآية 46 فما بعد يتوجه الله تعالى إلى النصارى و يدعوهم للعمل بالإنجيل، و يأمر رسوله (صلى الله عليه و آله و ;سلم) بالحكم بما أنزله إليه و عدم اتباع أهواء أهل الكتاب و الحذر من فتنتهم، و خلال ذلك ينهى المسلمين عن اتخاذ اليهود و النصارى أولياء، و يأمرهم بموالاة الله و رسوله و المؤمنين، ليعود ثانية (في الآية 58 فما بعد) لمذمة أعمال أهل الكتاب و موقفهم في مواجهة دعوة الإسلام، و تقريع اليهود على أفعالهم السيئة من قول الإثم و أكل السحت و إيقاد نيران الحروب و السعي في الأرض بالفساد إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد فيقول: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} أي بلغ ما أنزلناه إليك بشأن أهل الكتاب و لا تخف فالله سيحميك من شر اليهود والنصارى ويظهر أمرك و دينك لأن الله لا يهدي المعرضين عن الحق الكافرين به من أهل الكتاب، و يعقبها مباشرة بقوله: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة و الإنجيل و ما أنزل إليكم من ربكم ... } فيأمر الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يقول لأهل الكتاب أنهم ليسوا على شيءٍ من الدين و لا حتى الإنسانية إلا إذا أقاموا التوراة و الإنجيل و ما أُنزل إليهم من ربهم، ثم يذكِّر اليهود كيف نقضوا ميثاقهم و قتلوا أنبياءهم و عَمُوا و صَمُّوا، ثم يعلن بكل صراحة ـ و هذا أخطر ما في القضية ـ كفر النصارى الذين قالوا أن الله هو المسيح بن مريم أو الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة، ثم يقول للرسول (صلى الله عليه وآله و سلم) : {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم نفعا و لا ضرا ... قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق و لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل و أضلوا كثيرا .... لُعِنَ الذين كفروا من بني اسرائيل ... } فهذه هي الأمور الحاسمة الخطيرة التي أُمِر صلوات الله و سلامه عليه وآله بالصدع بها دون خوف و لا وجل و لو لم يفعل فما بلغ رسالة الله عز وجل.
هذا ما يقتضيه سياق الآيات، فهل يمكن لعاقل ذي وجدان أن يجعل قوله تعالى و الله يعصمك من الناس إن