الخلق بعد رسول الله عليه الصلاة و السلام و أولاهم بخلافته و إمامة المسلمين من بعده، كل ما في الأمر أنه رأى أن القول بالنص عليه و على سائر الأئمة من أولاده، من قِبَل الله تعالى و رسوله عليه الصلاة والسلام فكرة غير حقيقية و لا سند علمي لها و لا فائدة من الإصرار عليها إلا إيجاد فجوة لا تُرْدَمُ بين الشيعة وبقية المسلمين، و يبدو أنه في هذه النقطة يلتقي مع قسم من الشيعة الزيدية.
و لذلك أهيب بكل من يطالع هذا الكتاب، سواء اتفق مع مؤلفه أو اختلف، أن يأخذ بعين الاعتبار قصد صاحبه، و أنه رجل مجتهد يحق له أن يبدي وجهة نظره التي انشرح صدره إليها مستندا إلى الأدلة و البراهين التي ساقها، و لمن أراد أن يردَّ عليه فله أيضا كل الحق بذلك، فلا كلام المؤلف و لا كلام غيره سيكون الكلمة النهائية في هذا الموضوع الشائك، و على أي حال فالكتاب بحث عقائدي روائي فقهي محض و ليس له أي غرض سياسي، و في رأيي أن مثل هذه الأبحاث العلمية، من أي طرف كانت، لا يصح اعتبارها مثيرة للفتنة، لأنها لا تتعارض أبدا مع الحفاظ على وحدة المسلمين و تماسكهم، ما دامت قد اعتمدت أسلوب البحث العلمي الرصين بعيدا عن الشتائم و التشنج و المهاترات، و كما يقال: الاختلاف لا يفسد للودِّ قضية.
أما عملي في هذا الكتاب فلم يقتصر على مجرد الترجمة فحسب، بل قمت بتوثيق اقتباساته، و رجعت لمصادره العربية لأنقل الاقتباسات من أصولها بعين حروفها، و أحيانا لم يتوفر لدي نفس المصدر الذي رجع إليه فوثقت من مصدر مشابه فيه نفس الاقتباس و أحلت إليه، كما أعدت ترتيب بعض فقرات الكتاب التي رأيتها تحتاج لترتيب، و اختصرت قليلا في بعض المواضع القليلة التي رأيت فيها تكرارا أو خروجا عن الموضوع، و وضعت لفصل أو فصلين من الكتاب عناوين توضيحية من عندي أو غيرت عنوان أحد أو اثنين من فقراته لأن العنوان الذي ذكره المؤلف لم يكن واضح الدلالة على ما تحته، فاخترت له عنوانا أوضح، و أحيانا نادرة أضفت مثالا آخر أو وسَّعت الاقتباس حيث رأيت أن اقتباسه كان مختصرا و أن الأولى نقله بتمامه لأن ذلك يوضح أكثر فكرة المؤلف قيد العرض، و رغم أن مثل هذه التصرفات كانت قليلة و خفيفة جدا و في خدمة الكتاب و لم تكن هناك حاجة للإشارة إليها في كل موضع حتى لا تكثر حواشي الكتاب و يصبح مشوشا، إلا أنني مع ذلك حفاظا على أمانة الترجمة أشرت إليها في أغلب المواضع و ربما لم يفتني من ذلك إلا النذر اليسير الذي لا أهمية لذكره.
كما ترجمت في الحاشية لأغلب الأعلام المذكورين في المتن، و علقت أحيانا تعليقات قليلة من عندي، و طورا أوردت تعليقات كانت مكتوبة بخط اليد في حاشية نسختي من الكتاب، من تدوين اثنين من زملاء المؤلف الذين يشاطرونه أفكاره و هما آية الله أبو الفضل البرقعي (رحمه الله) ـ الذي قدم للكتاب أيضا ـ، و الأستاذ العلامة المجتهد ... [و رجاني أن لا أذكر اسمه] (حفظه الله) ، لذا يجدر بي هنا أن أبين الرموز التي وضعتها للحواشي و ما أعنيه بكل منها:
فالحواشي غير المذيَّلة بأي رمز هي لمؤلف الكتاب نفسه أعني المرحوم قلمداران.
و الحواشي المذيَّلة برمز (مت) هي للمترجم أي راقم هذه السطور.
و الحواشي المذيَّلة برمز (برقعي) هي للمرجع المرحوم آية الله السيد أبو الفضل بن الرضا البرقعي، الذي قدم للكتاب.
و الحواشي المذيَّلة برمز ( x) هي للأستاذ العلامة المجتهد (طلب عدم ذكر اسمه تفاديا من وقوع أضرار بالغة عليه كالتي وقعت على المؤلِّف و المقدِّم!) .
نبذة عن مؤلف الكتاب:
و قبل اختتام المقدمة لا بد من نبذة مختصرة عن مؤلف هذا الكتاب، فقد ولد المرحوم حيدر علي بن إسماعيل قلمداران في قرية"ديزيجان"من أعمال مدينة قم في إيران سنة 1913 م. من أبوين قرويين فقيرين، و بدأ دراسته بتعلم القرآن الكريم في كتَّاب القرية، و كان شغوفا جدا بتعلم و إتقان الكتابة و القراءة، حتى كان يصنع أقلام الكتابة بنفسه لعجزه عن شرائها لفقره، فسموه بـ"قلمداران"، التي ترجمتها: صاحب القلم! كما كان كثير الشغف بالقراءة و البحث و مطالعة الكتب الإسلامية منذ صغره، و ما لبث ـ و هو لا يزال في ريعان الشباب ـ أن قرض الشعر و أصبح كاتبا في عدد من المجلات التي كانت تصدر في عصره في قم و طهران، و عمل في سلك التدريس في مدارس مدينة قم، و كان يسخِّر قلمه لكتابة المقالات الإسلامية التي يدافع فيها عن تعاليم الدين الحنيف، و يرد على مخالفي الإسلام، و يدعو لإصلاح الأوضاع و إيقاظ همم المسلمين، و قد جمع هذا الاتجاه الديني الإصلاحي بينه و بين مفكري إيران الإسلاميين التجديديين المنوَّرين في عصره لا سيما المرحوم المهندس مهدي بازركان [1] [2] و المرحوم المعلم الشهيد الدكتور علي شريعتي، و لكن الشخص الذي تأثر به المؤلف أكثر من أي شخصية أخرى كان المرجع العراقي المجاهد، و المصلح الكبير آية الله الشيخ محمد مهدي الخالصي (رحمه الله) الذي كان آنذاك منفيا إلى إيران من قبل السلطات الإنجليزية في العراق، و كان بدءُ تعرُّفِ المرحوم قلمداران على الشيخ الخالصي (رح) عبر ترجمته لكتبه التي أعجب بها كثيرا مثل ترجمته لكتاب"الإسلام سبيل السعادة و السلام"و كتاب"إحياء الشريعة"و هو دورة فقهية عقائدية عصرية في المذهب الجعفري في ثلاثة مجلدات، ثم أعقب ذلك مراسلات بينه و بين الشيخ الخالصي، سعى بعدها الأستاذ قلمداران للقاء الشيخ الخالصي و حظي بذلك أكثر من مرة، و لكن المرحوم قلمداران قال لي، و هو يروي قصة
(1) تولى لفترة وجيزة رئاسة أول حكومة إسلامية مؤقتة عقب انتصار الثورة الإسلامية و الإطاحة بنظام الشاه الملكي في إيران في شهر فبراير من عام 1979.