عليهم، و أكد ذلك الأمر حين وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ليزيده استحكاما، و رغم كل ذلك وبمجرد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يابَهْ أصحابه ـ باستثناء قلة نادرة لا يزيد تعدادها على أحسن الأقوال عن أربعين رجل ـ لكل هذه التأكيدات و الأوامر الإلهية و لم يُعِيْروها أي اهتمام و لا أشاروا إليها أدنى إشارة، بل سارعوا للعمل على اختيار خليفة من بينهم، ففي البداية رشّح الأنصار و أهل المدينة سعد بن عبادة رضي الله عنه لخلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و تحركوا لنصبه فتقدَّم المهاجرون بدورهم و قَلَبوا الأمر على الأنصار معتبرين أنفسهم أليق و أحق بمقام الخلافة منهم و حازوا فعلا منصب الخلافة بعد احتجاجاتهم التي تقدم ذكرها، و لم يأتوا في كل ذلك بأي ذكر على الإطلاق للإمام علي و خلافته المنصوص عليها ولا لقضية غدير خم و أخذ الرسول البيعة منهم لعليّ؟؟! إنها قصة عجيبة حقا تفوق السحر و المعجزة لأنها من عالم المستحيلات التي يستحيل حدوثها في عالم البشر، و لم يقع لها نظير في تاريخ الدنيا! و لا يمكن لأي مجنون فضلا عن ذي العقل السليم أن يصدق مثل هذا الأمر.
كيف، و لو اجتمع مسافران في طريق سفرٍ، فتناولا مع بعض قدحا من الشاي و تبادلا شيئا من الحديث، لاستحال أن ينسيا تماما ما حصل بينهما بعد 70 يوم و لا يذكرا هذا الاجتماع في أي مناسبة طوال حياتهم!!
فكيف أمكن لمائة ألف أو يزيدون جمعهم في مكان واحد أمر على هذه الدرجة من الأهمية كالبيعة التي لها عند المسلمين و العرب بشكل خاص أهمية لا يضاهيها في أهميتها شيء، أن يتناسوها تماما أو يجحدوها بعد سبعين يوم فقط لدرجة أن أحدا منهم لا يذكر شيئا منها طوال عمره؟ إن مثل هذا الاتفاق لم يحدث في أي ملة من الملل.
و الأعجب من ذلك أنه حتى أولئك الأربعين شخصا مورد الادعاء الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه، لم يتكلموا أبدا عن شيء اسمه نص على علي عليه السلام أو تعيين له من قبل الله و رسوله و لا احتجوا أصلا بشيء من هذا القبيل، بل لم تكن حجتهم إلا أنهم اعتبروا عليا أحق و أولى بهذا المقام، و حتى أولئك البدريين الاثني عشر الذين احتجوا على أبي بكر رضي الله عنه ـ طبقا لما ذكره الطبرسي في كتابه الاحتجاج ـ و اعترضوا على خلافته، لم يحتجُّوا بغدير خم. و كذلك لم ينقل عن أحد من الذي انفصلوا عن القافلة المتجهة للمدينة ـ بعد سماعهم خطبة الغدير ـ و انطلق كل منهم في طريقه إلى موطنه، و لم يكن لهم دوافع المهاجرين المقيمين في المدينة، لم يسمع عن أحد منهم اعتراضا عندما وصل إليهم نبأ اختيار أبي بكر للخلافة أو تعجبا من أنه كيف صار خليفة مع أن عليًا هو الذي نصبه الرسول عليه الصلاة والسلام للخلافة؟ لماذا لا نرى في كتب التاريخ أي أثر لمثل هذا الاعتراض أو رد الفعل؟؟!
مثل هذا الاتفاق على الكتمان و التوحد على النسيان الذي ادُّعي حصوله في أمة الإسلام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس له حقا نظير في أي أمة في التاريخ!! و الأعجب من ذلك أن عليا عليه السلام نفسه أيضا لم يُشِر إلى شيء من هذا الباب و لا احتج به! إذن هذا يدل على أنه في الغدير لم يكن هناك نص على الخلافة. و للأسف لُفِّقَتْ في كتب الشيعة مطالب حول هذه القضية وخُلِطت أمور بعيدة عن العقل و المنطق ينكرها الوجدان ويأباها الإنصاف.
أخرج الشيخ المفيد [1] [31] في كتابه الاختصاص بسنده: (( عن محمد بن الحسن الصفَّار عن محمد بن الحسين عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القاسم الحضرمي عن عمرو بن ثابت: قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن النبي صلى الله عليه وآله لما قُبِضَ ارتد الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثا: سلمان والمقداد و أبوذر الغفاري، إنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، جاء أربعون رجلا إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقالوا: لا والله لا نعطي أحدا بعدك طاعة أبدا، قال: و لم؟ قالوا: إنا سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وآله فيك يوم غدير [خم] ، قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم، قال: فأتوني غدا مُحَلِّقِين، فما أتاه إلا هؤلاء الثلاثة! قال: وجاءه عمار بن ياسر بعد الظهر، فضرب يده على صدره ثم قال له: ما لك أن تستيقظ من نوم الغفلة، ارجعوا فلا حاجة لي فيكم، أنتم لم تطيعوني في حلق الرأس فكيف تطيعوني في قتال جبال الحديد؟ ) ) [2] [32] .
قبل أن نتعرض لرواة هذا الحديث المفترى، من الضروري أن ننبه إلى أن متنه يتضمن إشكالا كبيرا جدا لا يتفق حتى مع الروايات التاريخية المسلمة عند الشيعة، ذلك أنه لم يذكر في عداد الذي استثناهم من الارتداد، العباس بن عبد المطلب عم علي عليه السلام و لا أبناء العباس عبد الله و الفضل وقُثَم، و لا خالد بن سعيد بن العاص و البراء بن العازب و حذيفة بن اليمان و أبو الهيثم التيهان و ... و الكثيرين الآخرين الذي تروي نفس كتب الشيعة أنهم كانوا ـ في موضوع الخلافة بعد رسول الله ـ من المؤيدين لخلافة علي و من المخالفين ـ في ابتداء الأمر ـ لخلافة أبي بكر، لدرجة أن بعضهم اعتصم في بيت فاطمة عليها السلام إظهارا لرفضه و عدم رضائه عما تم
(1) هو محمد بن النعمان العكبري البغدادي، الملقب بالشيخ المفيد و يعرف بابن المعلِّم، شيخ متكلمي الشيعة الإمامية في عصره، و كان ذا نفوذ كبير على الشيعة في بغداد و توفي فيها سنة 400 و قيل 413 هـ .. (مت)
(2) الاختصاص: صفحة 6 (طبعة طهران لسنة 1379 هـ.) (مت)