فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 94

للدلائل التالية نرى أن هذا الحديث ليس نصا على علي بالخلافة:

1 ـ أقوى دليل على ذلك أن أحدا من الذين شهدوا ذلك الاجتماع وسمعوا تلك الخطبة لم يفهم منها هذا المعنى، و لهذا لم يأت أحد على حديث الغدير بذكر في سقيفة بني ساعدة و لا حتى أُشير إليه مجرّد إشارة، و لا استند إليه أحد بعد ذلك في تمام عهد الخلفاء الراشدين، إلى أن جاء المفرِّقون بعد عهد طويل فاستندوا إليه وقالوا ما قالوا.

2 ـ لم يأت أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام نفسه و لا أنصاره من بني هاشم وغيرهم في السقيفة و بعد نصب أبي بكر رضي الله عنه للخلافة، على حديث الغدير بذكر ولا استندوا عليه لإثبات النص على علي، و حتى الاثني عشر نفرًا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الذين ـ طبقا لادعاء بعض الروايات ـ احتجوا على أبي بكر رضي الله عنه مؤيدين لحق علي في الخلافة، لم يستندوا إلى هذا الحديث لإثبات أولويته عليه السلام بأمر الخلافة، وعندما جاء في كلمات بعضهم ذكر لهذا الحديث، كان على سبيل ذكر الفضائل و المناقب لا على أساس أنه نص إلهي قاطع من جانب الله، هذا بغض النظر عن أن حديث احتجاج النفر الاثني عشر يحتاج لتمحيص أكثر للتأكد من صحته أو سقمه لأن احتمال وضعه قوي جدا بل يقيني.

3 ـ قوة إيمان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و مدح القرآن لهم يتناقض تماما مع ادعاء كتمانهم للإمامة و ردهم للخلافة المقررة من قبل الله عز وجل، خاصة أنه كما تبين معنا لم يكن لدى الكثير منهم أي مانع أو اعتراض على زعامته حيث صرحوا أنهم لو سمعوا كلام علي قبل تمام بيعتهم لأبي بكر لما تخلفوا عن بيعته، مما يؤكد عدم وجود أي دافع لهم لكتمان خطبة الغدير أو للإعراض عن العمل بها لو كانوا قد فهموا منها حقا النصب الإلهي لعلي خليفة و إماما.

4 ـ كون قصة الغدير ـ كما تبين ـ أوجبتها قضية تصرف خالد وبريدة بأموال الزكاة بلا وجه حق و التي أدت لغضب علي عليه السلام و تعنيفه لهم مما أثار سخطهم عليه و شكايتهم إياه إلى رسول الله [1] [9] ، يبين أن مراده (صلى الله عليه وآله وسلم) من خطبته تلك أن يؤكد على المسلمين محبة و نصرة و تقدير علي عليه السلام.

5 ـ الجملة المهمة و الحاسمة في حديث غدير خم و التي يتفق جميع المسلمين على صحة صدورها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هي قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) : [من كنت مولاه فهذا علي مولاه] . إن الانتباه الدقيق لمعنى هذه الجملة من شأنه أن يرفع كثير من المشكلات. فهذه الجملة لا تفيد أبدا معنى الخلافة والإمامة لعلي بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للدلائل التالية:

أ ـ ذكر العلامة عبد الحسن الأميني في كتابه"الغدير"ـ نقلا عن علماء اللغة ـ لكلمة"المولى"سبعة و عشرين معنى و هي:

1ـ الربّ ... 2ـ العمّ ... 3ـ ابن العمّ ... 4ـ الابن ... 5ـ ابن الأخت

6ـ المعتِق 7ـ المعتَق ... 8ـ العبد ... 9ـ المالك ... 10ـ التابع

11ـ المنعَم عليه 12ـ الشريك 13ـ الحليف 14ـ الصاحب 15ـ الجار

16ـ النزيل 17ـ الصهر 18ـ القريب 19ـ المنعِم 20ـ الفقيد

21ـ الولي ... 22ـ الأولى بالشيء 23ـ السيد غير المالك و المعتِق

24ـ المحب 25ـ الناصر ... 26ـ المتصرِّف في الأمر ... 27ـ المتولى في الأمر.

و رغم كل ما بذله العلامة الأميني من جهد، لم يوَفَّق في استخراج معنى: الخليفة أو الحاكم أو الأمير ... لكلمة"المولى"، و اعترف أن لفظ"المولى"من الألفاظ المشتركة و أنه أكثر ما يقصد به هو"الأولى بالشيء" (أي المعنى الثاني والعشرين) . و عليه فلا يمكن فهم المعنى المراد من"المولى"بدون قرينة. فإذا انتبهنا لقرينة السبب الذي أوجب إلقاء هذه الكلمة، و إلى القرينة اللفظية المتجلية في تتمة الحديث: (( اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره ... ) )لم يعد من الصعب أن نعرف أن المعنى المراد من"المولى"هنا هو شيء يجمعه المعاني: الصاحب (الصديق) المحب الناصر (المعاني: 14 و24 و25) ، لأن معنى التتمة هو: اللهم صادق وأحب كل من يصادق ويحب عليا و عاد كل من يبغض ويعادي عليًا [2] [10] .

ب ـ كان الرسول يريد من الناس محبة علي، حيث أن الباعث لكلمته تلك كان موقف خالد و أبي بريدة و بعض الصحابة من علي كما بينّا.

ج ـ لا يُفْهَم أبدا من كلمة المولى معنى الخليفة والإمام و لم تأت هذه الكلمة في لغة العرب بهذا المعنى.

5 ـ في جملة"من كنت مولاه فعلي مولاه"نقطة ذات دلالة مهمة جدا، كثيرا ما حالت غوغاء الجدال و العصبية المذهبية من التنبه إليها رغم وضوحها الشديد، و هي أن كلمة"مولاه"أيا كان المعنى المراد منها، فإن معنى الجملة لن يكون إلا أنه: كل من أنا الآن مولاه فإن عليا الآن أيضا مولاه، و بعبارة أخرى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكلمة"فعلي مولاه"يريد تأكيد الثبوت المتزامن لعلي لنفس الأمر الذي هو ثابت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الآن. فلو فرضنا جدلا أن المقصود من كلمة"مولاه": حاكمه وإمامه (رغم عدم مساعدة اللغة على ذلك) ، للزم أن يقيّدها الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) بقيد: [بعدي] ، لأنَّ عليًا لا يمكنه أبدًا أن يكون إمام المسلمين و حاكمهم مع وجود الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) !، مع أن مثل هذا

(1) يروي العلامة الأميني في كتابه الغدير (ج1/ص 384، الطبعة الثالثة) : (( عن بريدة قال: غزوت مع علي اليمن، فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله(ص) ذكرت عليا فتنقَّصته، فرأيت وجه رسول الله يتغير، فقال: يا بريدة! ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه )).

(2) انظر لسان العرب لابن منظور: ج 15 / ص 409 حيث يقول:"والى فلان فلانا: إذا أحبَّه"و يقول قبل ذلك:"و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) اللهم وال من والاه: أي أحب من أحبه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت