1 ـ تبين من الفصول الماضية و ثبت أن حضرة أمير المؤمنين عليه السلام لم يدع في أي مقام أو في أي ملأ من الناس، أن الله تعالى نصبه و عينه إماما مفترض الطاعة على المسلمين، و أن الأمر لم يكن يعدو اعتباره نفسه أولى الأمة و أليقها و أحقها بمنصب خلافة رسول الله، كما أن اعتراضه على بيعة سقيفة بني ساعدة كان مستنده أن هذه البيعة لم تتم بمشورة جميع الأنصار و المهاجرين أو على الأقل لم تتم بمشورته هو نفسه و لا مشورة عديد من فضلاء و أجلة المهاجرين والأنصار، ومن المسلم أنه لو حصل ذلك لما عُدِلَ عنه إلى غيره أبدا. [1] [1]
2 ـ كذلك خلافة الحسن بن علي المجتبى عليه السلام لم تتم بالاستناد إلى نص، سواء كان من الرسول (صلى الله عليه وآله) أو من علي عليه السلام، بل كما جاء في مروج الذهب للمسعودي و تاريخ الطبري والبداية و النهاية لابن كثير أن عليا لما ضربه ابن ملجم دخل عليه الناس يسألونه فقالوا: [يا أمير المؤمنين، أرأيت إن فقدناك، و لا نفقدك، أنبايع الحسن؟ فأجاب: لا آمركم و لا أنهاكم، أنتم أبصر] [2] [2] ، و أنه لما أخبر أهل الكوفة ـ قبل أن يضربه ابن ملجم ـ بشهادته كانوا يقولون له: [ألا تستخلف؟ فيقول: لا و لكن أترككم كما ترككم رسول الله] [3] [3] ، و أنه لما أخبر الحسنُ الناسَ بوفاة أبيه الجليل قام ابن عباس و قال: [إن أمير المؤمنين توفي و قد ترك لكم خلفا فإن أحببتم خرج إليكم و إن كرهتم فلا أحد على أحد، فبكى الناس و قالوا: بل يخرج إلينا] . هذا في حين أنه لو كان لمسألة الإمامة المنصوص عليها، على النحو الذي يدعونه، حقيقة، للزم و وجب أن يقوم علي عليه السلام أثناء فترة حكمه التي دامت خمس سنوات، ببيان هذا الأصل الأصيل و التأكيد عليه قبل أي شيء آخر، و ذلك في كل مناسبة و خطبة من خطبه البليغة، و أن يقوم ابنه الحسن المجتبى بذلك أيضا ليعلم الناس أمر دينهم و تتم الحجة عليهم و يعرفوا أنه: أولا: الإمامة و حكومة المسلمين منحصرة باثني عشر إمام بنص من الله تعالى عليهم لا أكثر و لا أقل (حتى لا تضل عشرات الفرق التي قالت بإمامة أكثر أو أقل منهم كالاسماعيلية و الكيسانية و الزيدية و .. و .. ) و ثانيا: أنه ـ باستثناء إمامة الحسين بعد أخيه الحسن ـ لا تنتقل الإمامة إلا من بنحو عامودي من الأب لابنه، و أنها ـ باستثناء موردين هما اسمعيل بن جعفر و محمد بن علي الهادي ـ تكون للابن الأرشد بعد أبيه. و ثالثا: أن الأئمة من ولده معصومون مفترضوا الطاعة ... و أن ... و أن ... الخ.
و لكن كما نعلم جميعا ليس هناك أي أثر لمثل هذه الأمور سواء في كلام علي أو كلام ابنه الحسن حتى الذي قيل في الاجتماعات الخاصة و مع المقربين، بل سنرى عن قريب أن الأئمة أنفسهم كانوا آخر من يعلم بمثل هذه الأمور!!
(1) أكد أمير المؤمنين علي عليه السلام نفسه، أكثر من مرة، أن الشورى حق المهاجرين و الأنصار، من ذلك ما جاء في أحد رسائله لمعاوية (كما أوردها عنه الشريف الرضي في نهج البلاغة، الرسالة رقم 6، و رواها أيضا نصر بن مزاحم المنقري في كتابه"صفين"ص 29) أنه عليه السلام قال: (( إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بايعوهم عليه. فلم يكن للشاهد أن يختار و لا للغائب أن يرد، و إنما الشورى للمهاجرين الأنصار فإن اجتمعوا على رجل و سموه إماما كان ذلك لِلَّهِ رضىً ) ). قلت: و كلام أمير المؤمنين هذا تؤيده الآية القرآنية الكريمة: {و السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و أعد لهم جنات تجري تحنها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} التوبة / 101، و قد وصف الله تعالى أولئك السابقين من المهاجرين و الأنصار بأنهم: {و أمرهم شورى بينهم} الشورى/38، فإذا جلس مجموعة من الجنتيين ليتشاوروا في أمر الإمارة واختاروا أميرا عليهم أفلن يكون ذلك حتما رضىً لِلَّه؟؟
و علاوة على ذلك فإن عليا عليه السلام كان يقول: (( و الله ما كانت لي في الخلافة رغبة و لا في الولاية إربة، و لكنكم دعوتموني إليها و حملتموني عليها ) ) (نهج البلاغة / الخطبة رقم 196) . فهل يعقل أن يكون عليا قد أمر من قبل الله تعالى بتولي منصب الخلافة، ثم يقول مقسما بالله أنه ليس له رغبة بالخلافة و لا إربة بها؟! أليس لعليٍّ رغبة بتنفيذ أمر الله؟! هل يصح القول مثلا أن رسول الله (صلىلله عليه وآله وسلم) لم يكن له رغبة و لا إربة بالنبوة بعد أن حمله الله تعالى أمانتها؟؟ و العياذ بالله.
لو كان علي منصوبا حقا من قبل الله تعالى لمنصب الخلافة والإمارة فلماذا قال ـ عندما هجم الناس على بيته ليبايعوه: (( فأقبلتم إلي إقبال العوذ المطافيل على أولادها، تقولون: البيعة البيعة! قبضت كفي فبسطتموها، و نازعتكم يدي فجاذبتموها ) ) (نهج البلاغة / الخطبة 137 و 229) ، في حين أنه لو كانت خلافته عليه السلام أمرا إلهيا، لوجب عندما وجد المقتضي لاستلامها و انتفى المانع و عاد الحق لصاحبه، لوجب على الأقل ألا يمتنع عنها و يظهر عدم ميله لها، هذا إن لم يجب عليه الإسراع لأخذها و القيام بأعبائها. لا أن يقول ـ كما روي عنه في النهج ـ (( دعوني و التمسوا غيري! أنا لكم وزيرا خيرا لكم مني أميرا، و إن تركتموني فأنا كأحدكم و أسمعكم و أطوعكم ) ) (نهج البلاغة/ الخطبة 91) .
و لو أن عليا عليه السلام نُصِّب فعلا من قبل الله عز و جل لأمر الخلافة، فلماذا عوضا عن تحذيره الناس صبحا و مساء من مغبة مخالفتهم لأمر الله تعالى وتذكيرهم صبحا و مساء بخلافته الإلهية، و سعيه بكل جهده لإحراز الخلافة التي أمره الله بالقيام بأعبائها، و زجره الخلفاء الذين سبقوه عن غصبهم خلافته، وإعلانه للجميع بأن خلافتهم غير مشروعة و محرمة، أو على أقل تقدير يمتنع عن تأييدها و يسكت عن مدحها، لماذا نجده عليه السلام ـ بشهادة آثار قدماء الإمامية ـ يثني على الخلفاء الذين سبقوه و يمتدح خلافتهم فيقول عن أبي بكر مثلا: (( فتولى أبو بكر فقارب و اقتصد ) ) [كشف المحجة لثمرة المهجة، سيد ابن طاووس، طبع النجف، 1370هـ، ص 177] ، و يقول عن عمر مثلا: (( تولى عمر الأمر فكان مرضي السيرة ميمون النقيبة ) ) [الغارات، أبو اسحق الثقفي، ج1/ص307] و يقول عنهما كليهما في مقام آخر: (( أحسنا السيرة و عدلا في الأمة ) ) [كتاب وقعة صفين، ص 201] ، و لماذا رضي أن يصاهره عمر في ابنته أم كلثوم [انظر منتهى الآمال، للشيخ عباس القمي، ص 186، و وسائل الشيعة: كتاب الميراث، ج17/ ص 594] ، و كان يقتدي بالشيخين في الصلاة [وسائل الشيعة: كتاب الصلاة، ج 5/ ص 383] و سمى ثلاثة من أولاده بأسماء الخلفاء أبي بكر وعمر و عثمان [الإرشاد للشيخ المفيد، دار المفيد للطباعة، ج1/ ص 354و منتهى الآمال، ص 188و 382] .
أفتراه فعل ذلك ـ و هو عليه السلام إمام المتقين و أسوة المؤمنين ـ لكي يفضح الغاصبين و يعرف الأمة أكثر بأصول و أحكام الشريعة خاصة أصل الإمامة المنصوص عليها، و يتم الحجة عليهم في ذلك؟! نترك الإجابة على ذلك لكل ذي إنصاف. ( x)
(2) مروج الذهب: للمسعودي: ج2 / ص 425، و تاريخ الأمم و الملوك: للطبري: ج5 / ص 146ـ 147، و البداية و النهاية: لابن كثير: ج7 / ص 327.
(3) مروج الذهب: ج2/ص425، و البداية و النهاية: ج7/ص323 إلى 324 من عدة طرق. (مت)