بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، و صلَّى الله على النبي المكرَّم و آله و أصحابه و أتباعه المؤمنين بكتابه المعظَّم، و بعد،
لا يخفى أن الشيعة الإمامية درجت على اعتبار الإمامة من أصول الدين، و اعتقدت أن الأئمة الاثني عشر مفترضو الطاعة، منصوص عليهم و منصوبون من قبل الله تعالى و رسوله (صلىلله عليه وآله) للعالمين، واعتبرت منكر ذلك خارجا عن حقيقة الإيمان محروما من السعادة بل مخلدا في نار جهنم، مهما كان المنكر لذلك مسلما مؤمنا بالله تعالى و رسوله قائما بجميع فرائضه الدينية!
و مستند الشيعة الإمامية في عقيدتهم هذه، ليس إلا الأحاديث و الأخبار التي جاءت في كتبهم و ادعوا تواتر مضمونها تواترا معنويا. و إلا فليس في كتاب الله تعالى ذكرٌ صريحٌ و لا خبر عن إمامة الأئمة الاثني عشر، اللهم إلا بالتأويل و التقدير بالقوة لبعض الآيات، لحملها على مفاد الأخبار الواردة، لكن مثل هذا التأويل، و طبقا لصريح آيات القرآن، لا يجوز أبدا، ذلك لأن الله سبحانه و تعالى جعل القرآن كتابا بيِّنًا مفصلًا و نورا مُبِيْنًَا و هدىً للناس، و يسَّره للذكر و اعتبره قابلا للفهم و التدبر، و فرقانا يفرق بين الحق و الباطل، و معنى ذلك كله أن القرآن كتاب واضح بيِّن على المسلمين أن يرجعوا إلى بيانه و يتدبروا معانيه الظاهرة و يفهموه لكي يميزوا به بين الحق و الباطل، فما وافقه من حديث أو خبر قبلوه، و ما خالفه تركوه، فيجب فهم معاني الأخبار على ضوء ما يقوله القرآن، لا أن تحمل آيات القرآن و يلوى عنقها لتنطبق على مفاد الأخبار!
ولذلك، فيجب القيام بدراسة و تمحيص كاملين للأحاديث و الأخبار المتعلقة بالإمامة و النص على الأئمة، إذ كيف يسوغ لأحد أن يقلد في أمر هو من أصول الدين و عليه (كما يُقال) مدار السعادة أو الشقاء الأبديين؟ و لكننا نتساءل ابتداء: إذا كان القرآن الكريم، رغم كونه تبيانا لكل شيء و رغم ذكره لعديد من فروع المسائل العقائدية و الفقهية، ليس فيه أي ذكر للأئمة و لنصبهم من قبل الله عز وجل حكاما على العالمين، فكيف يمكن أن يعذب سبحانه أو يثيب على شيء لم يبينه؟ و هو القائل سبحانه وتعالى: {و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} الإسراء/15، و القائل أيضا: {و ما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} التوبة/115؟!.
و لذلك منذ مدة مديدة و أنا أفكر بالقيام بدراسة و بحث شامل حول الأحاديث و الأخبار المتعلقة بموضوع الإمامة و النص على الأئمة، لأقدم نتيجة بحثي للأخوة و الأصدقاء من أهل التحقيق، الطالبين للحق و الباحثين عن الحقيقة، إلا أن صعوبة مثل هذا البحث من جهة، و المشاغل الكثيرة من جهة أخرى، والتعصبات التي ليست في محلها، علاوة على الخوف من هجمات المقلدين، كل ذلك حال بيني و بين ذلك العمل، إلى أن قيض الله تعالى لهذا الأمر الأستاذ الفاضل و المحقق المتتبع حيدر علي قلمداران دامت بركاته، الذي يتمتع حقا بهمة عالية، رغم كونه مجهولا بين كثير من معاصريه، فتجشم عناء هذا البحث، و استطاع، بحمد الله، أن يوفيه حقه، و وضع أمام أنظار القراء، في هذا الكتاب، النتائج القيمة لبحثه و تحقيقه.
و نحن نهيب بكل من يطالع هذا الكتاب أن يتذكر دائما الهدف العظيم لمؤلفه، ألا و هو إزالة سبب أساسي من أسباب الاختلاف و الشقاق بين المسلمين و إيجاد الوحدة و التفاهم بينهم، لذا سمى كتابه"طريق الاتحاد".
و ندعو القارئ لهذا الكتاب أن يطالعه بروح مشبعة بالتجرد و الإنصاف و الإخلاص في طلب الحقيقة، بعيدا عن التأثر بأفكار أو أحكام مسبقة، و عن التعصب و العناد، لأن التعصب و العناد يغشيان على البصيرة و يحولان دون رؤية الحقائق، و أحيانا يجر التعصبُ الإنسانَ إلى مواقف تخالف مبادئه دون أن يشعر، كما هو حاصل لكثير من عوام الشيعة الإمامية الذين جرهم تعصبهم لمخالفة حتى أئمتهم من عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عديد من أعمالهم و عقائدهم! ومن جملة ذلك تفرقهم و ابتعادهم عن سائر فرق المسلمين و إساءة القول في حقهم، وهو أمر مخالف لسلوك و كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام (الذي ورد في الخطبة 127 من نهج البلاغة) حيث قال: [ ... و الزموا السواد الأعظم فإن يد الله مع الجماعة، و إياكم و الفرقة! فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب. ألا و من دعا إلى هذا الشعار (أي شعار الخروج والتحزب والتفرقة في الدين) فاقتلوه و لو كان تحت عمامتي هذه (أي و لو كنت أنا) ] .
و لقد كان عليه السلام في حياته تجسيدا حيا لهذا المبدأ، فلقد حافظ على علاقة طيبة مع الخلفاء الذين سبقوه و شارك في صلاة جمعتهم و جماعاتهم و قدم لهم معونته الفكرية في حل ما طرأ من المستجدات و الحوادث، و تعامل معهم التعامل الإسلامي الأخوي الذي تقتضيه الأخوَّة في الإيمان، وليس هذا فحسب، بل سمى ثلاثة من أولاده بأسمائهم، فأحد أولاده سماه عمر بن علي و الآخر عثمان بن علي و ثالث أبا بكر بن علي، كما هو مسطور في كتبنا ككتاب الإرشاد للشيخ المفيد (رح) و سائر كتب الحديث و التاريخ، و كذلك زوَّجَ ابنته أم كلثوم من الخليفة الثاني عمر (رض) [1] ?، و كذلك أثناء محاصرة الثوار لعثمان، كان يحمل له الماء بيده و جعل ابنيه الحسن و الحسين يلزمان حراسته، كما أنه كان يذكر الخلفاء بكلماته بالخير و لم يكن أبدا فحاشا ولا سبابا، لا يمنع ذلك أنه كان يرى نفسه أولى وأعلم و أحق و أليق بخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم، إلا أنه مع ذلك لم يعتبر خلافتهم غصبا أو كفرا أو باطلا!.
(1) هذا التزويج منصوص عليه في الإرشاد للشيخ المفيد، و وسائل الشيعة للحر العاملي، و غيرهما. (مت)