هذه الآيات و عشرات من الآيات الأخرى [1] [16] التي نزلت في كتاب المسلمين السماوي في مدح و تمجيد أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأبرزهم المهاجرون و الأنصار، أمام عيني كل مسلم عالم بالقرآن و مؤمن بما فيه؛ تعارض بشدة تلك الأحاديث التي تدعي ارتداد جميع المسلمين وعودتهم إلى الكفر، فور رحلة رسول الله و مفارقته للدنيا، إلا ثلاثة أفراد منهم فقط!! أي الثلاثة الذين بقوا على إيمانهم بالخلافة المنصوصة لعلي!
إن المؤمن بالله و الرسول و القرآن و القيامة لا يمكن أن يصدق تلك الأحاديث و لا ما قيل عن مخالفة المهاجرين و الأنصار للخلافة المنصوص عليها، لأنه إما أن تكون هذه الآيات من عند الله أو لا تكون، فإن لم تكن من عند الله فالقرآن ـ و العياذ بالله ـ من اختلاق و تلفيق غير الله، و إذا صار القرآن من اختلاق و تلفيق غير الله فمعنى هذا انهدام الإسلام، المبتني على القرآن، من أساسه، و إذا انهدم و انهار الإسلام، الذي هو الأصل، فما قيمة إثبات الخلافة المنصوص عليها أو غير المنصوص عليها و ما هي إلا فرع لذلك الأصل؟ هل هذا إلا كما قال الشاعر:
خانه از باي بست ويران است خواجه در بند نقش ايوانست
أي: ... البيت خَرِبٌ من قواعده ... و الخواجه مشغول بزخرفة شرفته
و أما إن كان القرآن من عند الله، و هو قطعا كذلك، و إن كان الله سبحانه و تعالى عالم بالغيب و الشهادة عليم بذات الصدور، و هو قطعا كذلك، إذن فهو يعلم بحقيقة من يمدحه في كتابه و يبشره بالفوز و الفلاح، عندئذ يجب أن يكون موقفنا واضحا من الآيات الكثيرة مثل قوله تعالى: {و الذين آمنوا وهاجروا و جاهدوا في سبيل الله، و الذين آووا و نصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة و رزق كريم} الأنفال/74، {و أولئك هم الفائزون} {وأولئك هم الصادقون} {وأولئك لهم الخيرات و أولئك هم المفلحون} {كنتم خير أمة} {و ألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها و أهلها} الفتح/26 {و السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا .. } التوبة/100، وعشرات الآيات الأخرى .. و نعود فنسأل هل كان لتلك الآيات مصاديق في عالم الخارج أم لا؟ فإن كان يوجد لها مصاديق فمن هم؟ ألم يكونوا نفس الذين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لنصب الخليفة؟ فهل كان الله تعالى، الذي امتدحهم و أثنى عليهم، عالما بسرائرهم وضمائرهم خبيرا بماضيهم ومستقبلهم أم لا؟ بديهي أن الشق الثاني من السؤال لا يمكن لمؤمن بالله أن يلتزم به"تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا"! و أما إن كان عليما خبيرا، و هو قطعا كذلك، فمن يستطيع أن يدعي أن الله العليم الخبير مدحهم وأثنى عليهم (و شهد لهم بصدق الإيمان ووعدهم بالجنات و الرضوان) لكنهم ارتدوا، فور وفاة نبيهم، على أعقابهم كفارا (خونة) و جحدوا أمر الله تعالى بتأمير علي (ع) عليهم؟! [2] [17] . ذلك لأن الله تعالى، الذي يعلم الغيب و يعلم فيما إذا كان عبدا من عباده سيرتكب من الأعمال في المستقبل ما يحبط أجره ويبطل سوابقه الصالحة، إذا قال عن فلان أنه مفلح و فائز و أعددت له الجنات، كان ذلك دليلا قاطعا على أن ذلك العبد لن يرتكب عملا يمنعه من الدخول في الجنة وأن عثراته ستكون مغفورة.
لأنه من الواضح أن الإنسان العادي إذا عاشر عن قرب شخصا ما لصار على معرفة به و اطلع على خصاله و حقيقة أفكاره، فكيف يمكن لِلَّه الخالق العليم بذات الصدور أن لا يعرف حقيقة عبد من عباده فيمدحه و يثني عليه كل الثناء؟!
(1) كقوله تعالى: {لكن الرسول و الذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم و أنفسهم و أولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون. أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم} التوبة / 88 ـ 89، و قوله تعالى: {و لا على الذين إذا أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولُّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} التوبة / 92، و قوله سبحانه: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ... (إلى قوله) الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور} الحج / 38 ـ 41، و قوله سبحانه: { ... لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح و قاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد و قاتلوا و كلا وعد الله الحسنى و الله بما تعملون خبير} الحديد/10، و قوله تعالى: {و رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} النصر/2، و غير ذلك كثير. (مت)
(2) هناك عدة نقاط ينبغي التنبه إليها في موضوع موقف الأنصار في قضية السقيفة و دلالاته:
أولا: لو كان هناك أمر صريح من الله تعالى و رسوله بخلافة علي (ع) ، فلماذا قام الأنصار الذين قال الله تعالى عنهم: {الذين آووا و نصروا أولئك هم المؤمنون حقا} الأنفال/74، و الذن قال عنهم الرسول (ص) : (( لو أن الأنصار سلكوا واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار، و لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ) ) (المصنف، عبد الرزاق الصنعاني، تحقيق الأعظمي، ج 11/ ص 62) و قال في شأنهم: (( اللهم ارحم الأنصار و أبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار! ) ) (المصنف: ج11/ص 62) ، لماذا رشحوا"سعد بن عبادة"زعيم الخزرج للخلافة؟ ألم يسمعوا أمر الله تعالى ورسوله حول نصب علي (ع) ؟!
ثانيا: و لماذا لم يقم الأنصار، بعد هزيمتهم السياسية أمام جناح المهاجرين و بعد انقطاع أملهم في إحراز منصب الخلافة، لماذا لم يقولوا: إذن على الأقل لنبايع من نصبه الله تعالى و رسوله إماما علينا، خاصة أن عليا كان كالرسول من حماة الأنصار و محبيهم، و أكثر المهاجرين قربا منهم؟! و لا ننسى أن انتخاب الخليفة إنما تم في المدينة، أي في المكان الذي كان فيه المهاجرون و أهل مكة أقلية تفتقر للشوكة السياسية، فإذا كان التنافس القبلي بين المهاجرين لا سيما بين الجناح الأموي ... و بني هاشم ـ كما يقال ـ هو الباعث لسلب الحق الإلهي لعلي (ع) في الخلافة، فمن البديهي أن الأنصار لم يكن عندهم هذا الدافع و بالتالي كانوا يستطيعون بكل سهولة أن يوقفوا المهاجرين عند حدهم و يمنعوا حصول مثل تلك البدعة في الدين!؟
ثالثا: و لماذا اقتصر الكلام في النقاش و التفاوض، الذي تم في السقيفة، على بيان أفضلية الأنصار على المهاجرين بسبب خدماتهم للإسلام أو بيان أفضلية المهاجرين على الأنصار لكونهم عشيرة الرسول و من قريش و أول من آمن به، ولم يأت أحد على موضوع النص النبوي على الخلافة! وحتى قبيلة الأوس التي لم تكن قد رشحت أحدا للخلافة وكان لسانهم أطول في مجادلة المهاجرين و الانتصار للأنصار، لم يذكروا لدحض ما أراده المهاجرون أي إشارة للنص على علي (ع) ؟! ألا يؤكد كل ذلك بكل وضوح عدم هذا النص؟! ( x)