فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 94

ألم يكن الله تعالى الحكيم العليم الخبير يعلم أن أصحاب نبيه لم يكونوا مهتمين بصدق بحقائق الدين بل قبلوه قبولا ظاهريا سطحيا و متزلزلا ـ كما تدعيه الرويات التي وضعها الغلاة من الشيعة ـ بل طبقا لبعض رواياتهم كان أولئك الصحابة في نفس زمن حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد شكلوا زمرا ومجموعات سرية و عقدوا فيما بينهم عهودا و كتبوا صحيفة ملعونة أودعوها الكعبة!!، و أنه منذ أول يوم تظاهروا فيه بالدخول في الإسلام لم يكن لهم هدف سوى الوصول للإمارة والحكومة!! و أن قلبهم كان طافحا ببغض أهل البيت وبمجرد أن ارتحل النبي ارتدوا على أعقابهم و أنكروا أهم أصل من أصول الدين وهو الإمامة المنصوص عليها من الله؟!! فكيف إذن أنزل تعالى في شأنهم كل آيات الثناء و المديح والشهادة بالإيمان و الفوز و الفلاح تلك؟!! آيات تبقى خالدة إلى يوم القيامة يتلوها المؤمنون آناء الليل و أطراف النهار يحبون بسببها المهاجرين الأنصار و يغبطونهم على إيمانهم و فلاحهم.

أجل إن تصديق رواية (( لما قبض النبي ارتد الناس إلا ثلاثة(أو سبعة) ... ))و أمثالها يؤدي إلى تكذيب جميع الآيات القرآنية الكريمة السابقة، أو إلى اتباع البدعة التي وضعها بعض أعداء الإسلام لإسقاط الكتاب المجيد عن الحجية، بادعائهم أن كتاب الله غير قابل للفهم البشري و أننا لا نستطيع أن نفهم منه المراد الحقيقي!! و عندئذ يفتح الباب للباطنية الذين فسروا القرآن على أهوائهم فأتوا بأباطيل لم ينزل الله بها من سلطان!

أجل إن الإصرار على صحة أمثال تلك الروايات، يلزم منه اعتبار تلك الآيات القرآنية الكريمة إما خاطئة ـ و العياذ بالله ـ أو غير مفهومة، و بالتالي ففاعل ذلك يغفل ـ أو يتغافل ـ عن أنه بإصراره على إثبات الإمامة المنصوص عليها لعلي (ع) أثبت ـ و العياذ بالله ـ بطلان معجزة الرسالة الكبرى و بالتالي أثبت كذب الإسلامِ و نبوةِ خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) !! (و وقع في المثل القائل جاء ليكحلها فأعماها!) . لأنه إذا كان رد خلافة علي ارتدادا كما تصرِّح به تلك الروايات التي تقول: لما قُبِضَ النبيّ ارتدّ الناس على أعقابهم كفَّارا إلا ثلاثة، ونعلم أن أكثر صحابة النبي بل كلهم بقوا علي بيعتهم لأبي بكر، أي بقوا على ذلك الكفر (!!) ـ و العياذ بالله ـ و ماتوا عليه، فطبقا لقوله تعالى: {و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (البقرة / 217) سيكونون جميعا قد حبطت أعمالهم و سيصيرون إلى نار جهنم خالدين فيها أبدًا، إلا ثلاثة نفر!! أولئك الثلاثة الذين تدل سيرتهم، للأسف أو لحسن الحظ، على أن موقفهم ورأيهم في المسألة كان نفس رأي و موقف سائر أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) !! و ذلك أن المقداد t الذي ذكر في بعض الروايات أنه كان أثبت قدما من سلمان و أبي ذر (رضي الله عنهما) في أمر خلافة علي بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، هو نفس الشخص الذي ـ طبقا لوصية عمر t ـ كان عليه مهمة التعاون والإشراف على أبي طلحة (زيد بن سهل) الأنصاري في أمر تعيين الخليفة من بين الستة: علي و طلحة والزبير و سعد و عبد الرحمن و عثمان، حيث أمر عمر t أبا طلحة أن ينظرهم ثلاثة أيام فإن اتفقوا على رجل منهم و أبى واحد أن يضرب عنقه وإن اتفق أربعة و أبى اثنان أن يضرب عنقهما و إن اختلفوا جميعا بعد المدة المحددة أن يضرب أعناقهم جميعا [1] [18] .

كما أن سلمان رضي الله عنه كان واليا على المدائن من قِبَلِ عمر رضي الله لعدة سنين و لم يُؤْثَر عنه من سيرته المعروفة الواضحة، أدنى اعتراض على خلافة أبي بكر رضي الله عنه و عمر رضي الله عنه.

فبعد كل ذلك هل يمكن لأي مسلمٍ مؤمنٍ بالقرآن أن يعير مفاد تلك الروايات أدنى التفات؟ ألا ينبغي على كل مؤمن بالقرآن، بينه و بين الله وأمام حكم وجدانه و دينه، ـ و عملا بالأمر الصريح لأئمة آل البيت عليهم السلام الذين أكدوا مرارا أن ما خالف القرآن من الأخبار المنقولة فهو زخرف و ليس عنهم وينبغي أن يضرب به عرض الحائط [2] [19] ـ أن يحارب و يكذِّب بشدة و بكل ما أوتي من طاقة و وسع أمثال تلك الأكاذيب و الكفريات، فما بالك لو آمن بها وصدقها؟!

لو ألقيت نظرة، أيها القارئ الكريم، على التاريخ الدموي المخزي المليء بالعداوة و الخصومة والفرقة، الذي أوجدته تلك الروايات و أمثالها بين المسلمين، لأدركت أن واضعي أمثال تلك الروايات، و مختلقي مثل تلك الأحاديث، هم بلا شك و لا ريب من أشد أعداء الإسلام، أو أنهم أشخاص جهلة كان يحركهم ويحرضهم أعداء الإسلام ليوقعوا الفرقة بين المسلمين، حتى يأتي مثل هذا اليوم الذي نرى فيه المسلمين، على كثرة عددهم و كون معظمهم يسكن في أفضل نقاط المعمورة، و مع وجود كل الوصايا والتأكيدات الإلهية الآمرة بالاتحاد والاتفاق الناهية عن الفرقة و الخلاف، على هذه الدرجة من الذلة و المهانة والضعف والتأخُّر، التي يندر أن يكون لها نظير لدى أي شعب من شعوب الدنيا تملك ما يملكه المسلمون، و أصغر نموذج على ذلك سيطرة حفنة من اليهود عليهم ...

أجل، إن كل هذا من بركات أو بالأحرى من الآثار المدمِّرة لأمثال تلك الروايات التي جذورها تنبع من تربة الكفر المبين، لكنها للأسف تُسقى بماء مذاهب إسلامية! أي مذاهب (المتطرفين الغلاة) البعيدة عن الإسلام الحقيقي و روح الدين! مذاهب أوجدتها وابتدعتها السياسات والأهواء المختلفة: أوجدها أعداء الإسلام أو غذّوها و روجوا لها.

(1) راجع ص 42 من هذا الكتاب، و انظر تاريخ الأمم و الملوك للطبري: ج 3 / ص 294 ـ 295 (مت)

(2) أخرج الكليني في الكافي روايات عدة عن الصادق و غيره من الأئمة عليهم السلام تفيد أن شرط قبول الحديث أن لا يخالف القرآن: انظر الحديث رقم 183 و الأحاديث من 198 إلى 203 (أصول الكافي: الجزء الأول / ص 60، الحديث الخامس، و ص 69 الأحاديث من الأول للسادس) ( x)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت