الجواب: هذا الاستنتاج من الآيات بأنه حتى الأنبياء ممكن (عقلا) أن يقعوا في الشرك و العصيان، لا يصح أبدا على مذهب القائلين بالنص لأنهم يقولون بعصمة أئمتهم المطلقة من الولادة و حتى الوفاة، فضلا عن عصمة الأنبياء المطلقة بل عن إيمان و توحيد جميع آباء الأنبياء حتى آدم عليه السلام، رغم أن العقل و النقل يدلان على أن آباء بعضهم كانوا كافرين وثنيين [1] [3] . و لنفرض أنهم تنازلوا عن عقيدتهم و جعلوا إمكان وقوعهم في المعصية بل الكفر غير محال و قالوا من باب أولى أن يكون هذا الاحتمال واردا بحق الصحابة، سيما أنه تعالى حذرهم بأن من يرتد منهم عن دينه فسوف يحبط الله عمله و يستبدلهم بمؤمنين آخرين، فنقول: أجل إن احتمال الوقوع في المعصية و الشرك وارد في حق كل ابن آدم أيا كان و لكن هذا مجرد احتمال و إمكان، و الإمكان لِوَحْدِهِ لا يدل على الوقوع، بل لا بد من الإتيان بدليل على الوقوع الفعلي لتلك الردَّة المدَّعاة بحق الصحابة من المهاجرين و الأنصار، و دون ذلك خرط القتاد، لأن الردة إنما تحصل إما بإنكار وحدانية الله تعالى أو إنكار رسالة الرسول (صلى الله عليه وآله) أو إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة مما يكون من أحكام القرآن المسلمة القطعية، فمن الذي أنكر شيئا من هذا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيما المهاجرين و الأنصار منهم؟؟ في أي سورة أو آية من آيات القرآن ورد موضوع الإمامة على النحو الذي يدعونه أو النص على علي فأنكروه؟؟ و أصلا لو كان لمسألة الإمامة على النحو الذي تدعيه الإمامية أصل في القرآن لكان المقصر الأول في هذا الأمر علي بن أبي طالب نفسه الذي لم يأت على هذا النص أو الآيات بذكر و لم يدع النص على جنابه من قبل الله تعالى و رسوله في أي مقام و تخاذل في هذا الأمر إلى هذا الحد!! لو كان حضرة علي قد عُيِّنَ من قِبَل الله تعالى و رسوله للخلافة لوجب عليه أن يخالف و ينازع أبا بكر حتى الموت و لا يسمح له بحال أن يرقى منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، كما قال هو نفسه عليه السلام ذلك حسبما رواه عنه قيس بن عباد: [والذي فلق الحبة و برأ النسمة لو عهد إليَّ رسول الله عهدا لجالدت عليه و لم أترك ابن أبي قحافة يرقى في درجة واحدة من منبره] ، و كما قال ذلك أيضا حفيده الحسن المثنى بن الحسن المجتبى عليه السلام فيما أخرجه عنه ابن عساكر في تاريخه قال: (( حدثنا الفضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن بن السحن أخا عبد الله بن الحسن و هو يقول لرجل ممن يغلو فيهم: ويحكم أحبونا لِلَّه فإن أطعنا الله فأحبونا، و إن عصينا الله فأبغضونا، قال: فقال له الرجل: إنكم ذوو قرابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) و أهل بيته، فقال: ويحكم لو كان الله نافعا بقرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بغير عملٍ بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا أباه و أمه، و الله إني لأخاف أن يضاعف الله للعاصي منا العذاب ضعفين، و الله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين. ثم قال: لقد أساء آباؤنا و أمهاتنا إن كان ما تقولون من دين الله حقا ثم لم يخبرونا به و لم يطلعونا عليه و لم يرغبونا فيه، فنحن والله كنا أقرب منهم قرابة منكم و أوجب عليهم حقا و أحق بأن يرغبوا فيه منكم، ولو كان الأمر كما تقولون: إن الله ورسوله اختارا عليا لهذا الأمر و للقيام على الناس بعده، كان علي لأعظم الناس في ذلك خطيئة و جرما إذ ترك أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوم فيه كما أمره و يعذر فيه إلى الناس. فقال له الرافضي: ألم يقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي:"من كنت مولاه فعلي مولاه؟؟". قال: أم و الله، أن لو يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك الإمرة و السلطان و القيام على الناس، لأفصح لهم بذلك كما أفصح بالصلاة و الزكاة وصيام رمضان وحج البيت و لقال لهم: أيها الناس إن هذا ولي أمركم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، فما كان من وراء هذا، فإن أفصح الناس كان للمسلمين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) ))، ثم قال الحسن: (( أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى لو آثر عليا لأجل هذا الأمر و لم يُقْدِم عليٌّ كرم الله وجهه لكان أعظم الناس خطأً ) ) [2] [4] ، أجل إن سكوت ذلك الجناب و تسليمه لمن سبقه أفضل دليل على عدم النص عند أولي الألباب، و كما يقال: السكوت في موضع البيان، بيان.
قلنا أن مشعلي نار الاختلاف و مهدمي بنيان الاتحاد و الوفاق ضخموا مسألة الإمامة كثيرا موقدين بذلك نار العداوة و الفرقة بين المسلمين مِمَّا أوقع المسلمين في بلاو لا يعلم عاقبتها إلا الله.
من جملة ذلك الأحاديث و الأخبار التي أوردها الطبرسي في كتابه"الاحتجاج على أهل اللجاج"، فبعد أن أورد قصة السقيفة على نحو ما ذكره ابن قتيبة في كتابه"الإمامة و السياسة"مما تقدم ذكره، أضاف في آخر الرواية: [ .. فقال بشير بن سعد الأنصاري، الذي وطَّأ الأمر لأبي بكر، و قالت جماعة من الأنصار: يا أبا الحسن لو كان هذا الأمر سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف فيك اثنان] [3] [1] .
قلتُ: هذا الاعتذار من بشير بن سعد و جماعة من الأنصار عذر صادق و صحيح، و هو أكبر شاهد على أنه لم يكن عند الأنصار نية مبيتة و سيئة ضد علي و إصرار من البداية على ألا يتولى منصب الخلافة!، و لا غرو فلم يكن أحد من المهاجرين أو الأنصار بمنكر لفضائله و مناقبه و علمه و شجاعته و لياقته لذلك المنصب، فكيف يكون حالهم لو سمعوا النص على عليٍّ من رسول الله؟ فبطريق أولى لن يختلف من الأصل على بيعته اثنان.
و من ذلك نعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن قد نصب عليا أبدا بصراحة حاكما و خليفة له على المسلمين بأمر من الله تعالى في يوم الغدير، إذ لو حصل ذلك كما ادعوا و زعموا أنه أخذ البيعة له من جميع الصحابة،
(1) لعل المؤلف يقصد أبا سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي ذكر القرآن صراحة شركه و نحته للأصنام و عدم توبته. (مت)
(2) انظر تهذيب تاريخ دمشق الكبير، للشيخ عبد القاردر بدران: ج 4 / ص 169 ط 2 (بيروت، دار المسيرة 1399 هـ / 1979) أو تاريخ مدينة دمشق: لابن عساكر، طبع دار الفكر، ج13 / ص 70 ـ 71.
(3) الاحتجاج: ج 1 / ص 96 (طبع قم) ، أو ج1/ ص 184 من الطبعة التي حققها الشيخان ابراهيم البهادري و محمد هادي به، باشراف الشيخ جعفر السبحاني (طبع قم، انتشارات أسوة، 1413 هـ) و هي الطبعة التي سأوثق منها من الآن فصاعدا نظرا لأنها المتوفرة لدي حاليا. (مت)