فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 94

هذه هي قصة سقيفة بني ساعدة كما روتها كتب السيرة و التواريخ الإسلامية القديمة المعتمدة، و لا خلاف لها فيما روته كتب الشيعة القديمة اللهم إلا النذر اليسير، و ليس في أي منها أي ذكر لغدير خم و لا لاحتجاج الإمام علي به!، إلى أن ظهر ذلك في كتاب شيعي (متأخر) هو كتاب"الاحتجاج على أهل اللجاج"للطبرسي [1] [18] ضمن رواية، خاطئة تاريخيا، حيث يقول: [ ... فقال بشير بن سعد الأنصاري الذي وطَّأ الأرض لأبي بكر رضي الله عنه و قالت جماعة الأنصار: يا أبا الحسن لو كان هذا الأمر سمِعَتْهُ منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر رضي الله عنه ما اختلف فيك اثنان، فقال علي عليه السلام: يا هؤلاء! أكنت أدع رسول الله مسجى لا أواريه، و أخرج أنازع في سلطانه؟ والله ما خفت أحدا يسمو له، و ينازعنا أهل البيت فيه، و يستحل ما استحللتموه، و لا علمتُ أن رسول الله (ص) ترك يوم غدير خُم لأحد حجة، و لا لقائل مقالا، فأُنشِدُ اللهَ رجلا سمع النبيَّ يوم غدير خم يقول"من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله"أن يشهد الآن بما سمع. قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر رجلا بدريا[2] [19] بذلك و كنت ممن سمع القول من رسول الله (ص) فكتمتُ الشهادة يومئذ فدعا علِيٌّ علَيَّ فذهب بصري] [3] [20] .

قلتُ: نسبة احتجاج أمير المؤمنين (ع) بقضية غدير خم، الذي رواه زيد بن أرقم، إلى عهد أبي بكر، أمر يخالف التواريخ المسلمة التي يبدو أن واضع هذه الرواية كان عديم الاطلاع عليها، فقد ذكرت المصادر التاريخية الموثقة ـ (كما جاء ذلك مفصلا في بحار الأنوار: ج22/ص32، و الجزء الأول من كتاب الغدير) ـ أن استشهاد علي بواقعة الغدير وكتمان أو عدم كتمان زيد بن أرقم [4] [21] ، إنما حدث في رحبة الكوفة بعد ثلاثين عاما (من قصة السقيفة) في زمن خلافة أمير المؤمنين أثناء نزاعه مع معاوية، بهدف إثبات أن الحق معه و ليس مع معاوية (لا بهدف إثبات النص الإلهي على خلافته!) و بهدف تشجيع المؤمنين على النهوض في قتال ابن أبي سفيان الذي نصب الحرب لعلي بغير حق، فذكَّرهم بواقعة الغدير كدليل وشاهد نبوي قاطع على أنه صلى الله عليه وسلم أمر بنصرته و موالاته و معاداة من عاداه وحاربه: (( اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و ... ) ). و ليس لهذا أي علاقة بموضوع النص على علي بالخلافة من قِبَلِ الله تعالى.

هذا بالإضافة إلى أن كتاب الاحتجاج الذي ذكر في تلك الرواية الضعيفة [5] [22] أن اثني عشر بدريا قاموا و شهدوا بما استشهدهم عليه أمير المؤمنين، ذكر رواية أخرى تخالفها حيث تبين احتجاج أولئك الاثني عشر (على أبي بكر) دون أن يأت في كلام أي واحد منهم أي ذكر أو احتجاج بغدير خم بل كل ما جاء في كلامهم أنهم بعد استئذانهم من أمير المؤمنين بالكلام قالو له:"يا أمير المؤمنين! تركت حقا أنت أحق به و أولى منه لأنا سمعنا رسول الله يقول: علي مع الحق و الحق مع علي"و هذه الجملة بحد ذاتها لا تؤدي الغرض و لا تثبت النص على علي بالإمامة، بل أكثر ما يفيده ظاهرها أنه (ع) أكثر استحقاقا و لياقة بذلك المنصب من أي أحد آخر.

1 ـ كما ذكرنا، يتفق ما رواه الطبرسي في كتابه الاحتجاج ـ و هو من كتب الشيعة ـ عن قصة السقيفة و بيعة المهاجرين و الأنصار لأبي بكر رضي الله عنه، مع ما جاء في كتاب الإمامة و السياسة لابن قتيبة المقبول عند أهل السنة أيضا.

2 ـ كما رُوِيَت قصة السقيفة و البيعة لأبي بكر رضي الله عنه في كتاب"إثبات الوصية"المنسوب للمسعودي، و الذي يعتبرونه من كتب الشيعة المعتمدة، كما نقل عنه ذلك العلامة المجلسي [6] [23] (محمد باقر بن محمد تقي) في"بحار الأنوار" [7] [24] فقال: (( و اتصل الخبر بأمير المؤمنين بعد فراغه من غسل رسول الله و و تحنيطه وتكفينه و تجهيزه و دفنه بعد الصلوة عليه مع من حضر من بني هاشم و قوم من صحابته مثل سلمان و أبوذر و مقداد و عمار و حذيفة وأُبيّ بن كعب و جماعة نحو أربعين رجلا. فقام(أي علي) فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: إن كانت الإمامة في قريش فأنا أحق بها من قريش و إن لم تكن في قريش فالأنصار على دعويهم، ثم اعتزلهم و دخل بيته )) [8] [25] .

و إذا لاحظنا بدقة ما جاء في هذا الكتاب الذي عنونه صاحبه بِ"إثبات الوصية"أي الوصية بالخلافة لعلي، لا نجد فيه أي ادعاء من علي بأنه قد نصب لمقام الخلافة من قبل الله و الرسول، بل كان الاستناد في الدعوى لموضوع قبلي فحسب حيث قال: إن كانت الخلافة في قريش فأنا أحق بها من أي أحد من قريش، في حين يجب القول أن عليا أولى بها من جميع الناس على الإطلاق لا لكونه منصوبا من جانب الله و الرسول بل لكونه أليق و أعلم و أتقى و أسخى

(1) الطبرسي هذا هو: الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي المتوفى سنة 620 هـ (غير الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان الشهير) (مت)

(2) سنرى عما قريب أن عددا من هؤلاء الشهود، و من جملتهم خزيمة بن ثابت و أبو الهيثم بن التيهان و ... لم يكونوا يعتقدوت بالنص و التعيين الإلهي لعلي (ع) و لا كانوا يعتبرون هذا الحديث دالا على ذلك. أنظر الصفحة ... من هذا الكتاب.

(3) الاحتجاج على أهل اللجاج، ج 1 / ص 96 (طبعة النجف، عام 1386هـ/ 1966م) (مت)

(4) جمع الأميني في الجزء الأول من كتابه الغدير، روايات استشهاد أمير المؤمنين بواقعة الغدير: و الرواية الثالثة و الحادية عشرة منها لا تتضمن كتمان زيد بن أرقم في حين تتضمن باقي الروايات ذلك. هذا و من الجدير بالذكر أن بعض رواة هذه الأخبار لم يكونوا من المعتقدين بالنص على علي، و ذلك مثل"ابن عقدة"الذي كان زيدي المذهب و لم يذكر هذه الرواية إلا كشاهد من الشواهد على أفضليته (ع) فقط.

(5) أنظر صفحة ... من هذا الكتاب حيث بينا دلائل ضعف هذه الرواية.

(6) هو الشيخ محمد باقر المجلسي،. من مشاهير علماء و محدثي الشيعة الإمامية توفي سنة1111هـ (مت)

(7) أشهر كتب العلامة المجلسي سابق الذكر، يعد كتابه هذا دائرة معارف أحاديث الشيعة حيث جمع فيه مؤلفه كل الروايات و الكتب و المصنفات الحديثية التي خلفها من سبقه من علماء الشيعة في كتاب ضخم يقع في أكثر من خمسين مجلد من القطع الكبير، و أكثر من مائة و عشرة مجلدات في الطبعة الحديثة (مت)

(8) بحار الأنوار: ج 8 / ص 58 (الطبعة الحجرية القديمة في تبريز)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت