3 ـ أما حضرة الحسين عليه السلام فمشهور و معروف لكل أحد أنه قبل أن يدعوه أهل الكوفة للإمامة و يبايعوا ممثله جناب مسلم بن عقيل، لم يدع لنفسه الإمامة المفترضة بنص من الله و نص من رسوله (صلى الله عليه وآله) ، و لم يأت في جميع احتجاجاته و خطبه التي ألقاها بين الناس قبل و أثناء خروجه، بأي كلام عن نص على إمامته أو إمامة والده أو أخيه.
4 ـ بعد شهادة الحسين عليه السلام، طبقا لاتفاق جميع التواريخ المعتبرة، قام أخوه من أبيه محمد بن علي المعروف بمحمد بن الحنفية بتولي منصب الإمامة وعرف أتباعه الذين قالوا بإمامته بالكيسانية، و كتب الملل و النحل و أحاديث الشيعة مليئة بالحديث عن هذا الأمر، كما روى"الطبرسي"في كتابه"أعلام الورى" (ص152) و"الكليني"في"الكافي"و"الطبرسي أحمد بن علي"في"الاحتجاج"كلهم عن أبي عبيدة و زرارة كلاهما عن حضرة الباقر عليه السلام قال: [لما قتل الحسين أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين فخلا به و قال يا ابن أخي قد علمت أن رسول الله دفع الوصية و الإمامة من بعده إلى علي ثم إلى الحسن ثم إلى الحسين و قد قتل أبوك و لم يوص و أنا عمك و صنو أبيك وولادتي من علي وأنا في سني وقدمي أحق بها منك في حداثتك ... ] [1] [4] ، و مهما كان هذا الحديث مخدوش سندا و متنا و عقلا سيما ما ذكر فيه من تحاكم علي بن الحسين إلى الحجر الأسود ليحكم بينه و بين محمد بن الحنفية! و الذي من الواضح أنه من اختلاق الوضاعين الذين لا يتورعون عن الكذب في سبيل تأييد مذهبهم، أو من وضع أشخاص أرادوا إيجاد الفرقة بين المسلمين، لكن أيا كان الأمر فإنه من مسلمات التاريخ أنه بعد شهادة الحسين وجدت الفرقة الكيسانية القائلة بإمامة محمد بن الحنفية ثم تفرعت عنها بعده عدة فرق أخرى أيضا، و وجود هذه الفرقة و غيرها و إن كان بلا شك وليدا للصراعات السياسية و النزاعات على السلطة، لكنه بحد ذاته يتناقض مع مسألة النص أي مع وجود نص معروف على أسماء الأئمة بأعينهم، إذ لو كان ذلك معروفا فعلا، لما صار أحد للإيمان بإمامة محمد بن الحنفية، و من العجيب أن نفس أولئك الذين رووا مثل الحديث السابق الذي يقول فيه"ابن الحنفية"لابن أخيه من أبيه"علي بن الحسين": [أنا عمك و صنو أبيك وولادتي من علي و أنا في سني و قدمي أحق بها منك] ، و يذكرون أن المختار بن عبيدة الثقفي (قائد ثورة التوابين) وغيره، بقوا، لسنوات مديدة، يدعون لإمامة ابن الحنفية، هم أنفسهم يروون عن نفس محمد بن الحنفية ما يؤيد النص على الأئمة!، كما روى الكشي في رجاله عن أبي خالد الكابلي الذي كان يقوم بخدمة محمد بن الحنفية، أنه قال له يوما: [جعلت فداك إن لي خدمة و مودة وانقطاعا، أسألك بحرمة رسول الله و أمير المؤمنين إلا ما أخبرتني: أنت الذي فرض الله طاعته على خلقه؟ قال: لا، الإمام علي بن الحسين، عليَّ و على كل مسلمٍ] !
و أيا كان فمن الواضح تماما أنه لم يكن عند أهل بيت النبوة نص معروف صريح على الإمامة و الخلافة و إلا لما ادعى الإمامة أبدا رجل عرف بالعلم و الزهد و الشجاعة و التقوى كمحمد ابن الحنفية، و لتبرأ من الذين قالوا بإمامته، مع أنه لم يُسمَع منه أبدا أنه رد على القائلين بإمامته أو أنكرها، إذن فلم يكن هناك نص نبوي معين يحدد من هم الأئمة.
1 ـ بيعة أهل الكوفة لجناب زيد بن علي بن الحسين من القضايا الواضحة في تاريخ الإسلام و خروج ذلك الجناب باسم الإمامة من مسلمات التاريخ، ذلك أن عقيدته كانت أن الإمام هو من قام بالسيف، من أولاد علي و فاطمة، لأجل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الدفاع عن الدين و ردّ الظالمين و إقامة حكم الكتاب و السنة. و هذا من أوضح عقائد وحجج حضرته و دليل على أن ذلك الجناب كان منكرا تماما لوجود نص يعين أشخاصا محددين للإمامة في أهل بيت النبوة، كما سبق و أشرنا إلى بعض ما روي عن حضرته في هذا المجال مما رواه فرات ابن إبراهيم الكوفي في تفسيره المعروف بتفسير فرات ابن إبراهيم والذي يعد من كتب الشيعة الموثقة المعتبرة [2] [5] . و روى الكليني في أصول الكافي (كتاب الحجة: ج1 / ص348) عن علي بن الحكم عن أبَّان و كذلك الكشي في رجاله (ص164) عن أبي خالد الكابلي: حوارا بين زيد بن علي بن الحسين و أبي جعفر الأحول المعروف بمؤمن الطاق، حول موضوع الإمامة بالنص و النص على الأئمة، يؤكد رأي الإمام زيد المذكور فيما رواه فرات ابن إبراهيم في تفسيره، خلاصته أن زيد بن علي يقول لمؤمن الطاق: [بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إماما مفترض الطاعة؟ قال: نعم و كان أبوك علي بن الحسين أحدهم. قال: وكيف و قد كان يؤتى بلقمة و هي حارة فيبردها بيده ثم يلقمنيها، أفترى يشفق علي من حر اللقمة و لا يشفق علي من حر النار؟! (أي لا يخبرني عن الإمام المفترض الطاعة؟!) ] . و هذا الحديث رواه الكشي من طريق آخر أيضا عن أبي مالك الأحمسي عن مؤمن الطاق. و عليه فإن جناب زيد بن علي بن الحسين الذي نبأ رسول الله عنه و عن شهادته ومدحه و أثنى عليه حسبما أورده القاضي الحسين بن أحمد السياغي الصنعاني في كتابه:"الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير" (ج1/ص58) و ما ورد في كتاب"المنهاج"و"هداية الراغبين"، كما أثنى عليه حضرة أمير المؤمنين و حضرة الإمام الحسين حسبما رواه ابن طاووس في كتابه الملاحم (ص74 و96 من طبعة النجف) و ما رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا (ج1/ ص225ـ 229) و الكشي في رجاله، و الذي أثنى عليه أخوه الإمام الباقر وابن أخيه الإمام الصادق و سائر الأئمة عليهم السلام أيضا، زيد هذا لم يكن يعتقد أبدا بإمام منصوص عليه سلفا من أهل بيت النبوة، بل كان يعتبر الإمام من يخرج بسيفه فعلا للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وإحياء الدين وكان يقول: [ليس الإمام منا من جلس في بيته و أرخى عليه ستره و ثبط عن الجهاد و لكن الإمام منا من منع حوزته و جاهد في سبيل الله حق جهاده و دفع عن رعيته و ذب عن حريمه] [3] [6] ،
(1) [4] و انظره أيضا في الأصول من الكافي للكليني: كتاب الحجة: باب ما يفصل به بين دعوى المحق و المبطل في أمر الإمامة، حديث 5، ج1/ ص 348. (مت)
(2) سبق و أوردنا روايته مفصلة في كتابنا هذا فراجعها في ص 126 ـ 128. (مت)
(3) الأصول من الكافي: كتاب الحجة: باب ما يفصل به بين دعوى .. حديث 16 في: ج1 / ص 357 (مت)