و نفس خروجه و بيعة الناس له بالإمامة أوضح دليل على عدم وجود النص، مهما حاول القائلون بالنص أن يؤولوا خروج زيد هذا ويفسروه بتفسيرات من قبيل تفسير القول بما لا يرضى به صاحبه!
و العجيب أن مختلقي النص و واضعي الأحاديث فيه، لم يكفوا بلاءهم عن زيد أيضا، رغم أن عقيدته في عدم النص على الأئمة في غاية الوضوح، بل وضعوا الأحاديث التي تثبت معرفته بالنص!، كما روى ذلك علي بن محمد القمي في كتابه"كفاية الأثر في النصوص على الأئمة الاثني عشر"فقال: [و يحدث عمر بن موسىلرجهي عن زيد قال: كنت عند أبي علي بن الحسين إذ دخل عليه جابر بن عبد الله الأنصاري فبينا هو يحدثه إذ خرج أخي (أي محمد الباقر) من بعض الحجر فأشخص جابر ببصره نحوه (!!) فقام إليه و قال: أقبل! فأقبل، أدبر! فأدبر، فقال: شمائل كشمائل رسول الله، ما اسمك يا غلام؟ قال: محمد .. إلى آخر الحديث] ، و قد بينا في نقدنا للحديث الأول من أحاديث النص أن جابرا توفي فيما بين 74 و 78 هـ في حين كانت ولادة زيد سنة 80 هـ!! ويكفي هذا لمعرفة مقدار ما يتمتع به الحديث من الصدق والصحة! بالإضافة لما تقدم من أن جابرا كف بصره في آخر عمره فكيف استطاع أن يدقق النظر إلى حضرة الباقر؟! إن واضعي هذه الأحاديث كانوا مغرمين ومتعلقين بإثبات موضوع النص من الله تعالى على إمامة الأئمة لدرجة أنهم كانوا يختلقون دون تفكير أي حديث كان، لإثبات مدعاهم، مهما كان مفضوح الكذب!.
2ـ من القضايا المسلمة في التاريخ قيام و إمامة محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى المعروف بـ"النفس الزكية"الذي كان من أكابر أهل بيت النبوة و أجلتهم فضلا و علما و تقوى، و بيعة الناس ـ و لا سيما عترة الرسول و بنو هاشم ـ له بالإمامة، إلى حد أن حضرة جعفر الصادق نفسه ـ الذي تنسب إليه أكثر أحاديث النص هذه ـ دُعي إلى بيعته، و حسب بعض الأحاديث أنه أعانه في قيامه، كما جاء في كتاب"مقاتل الطالبيين"لأبي الفرج الأصفهاني (ص 252) عن سليمان بن نهيك أنه قال: [كان موسى و عبد الله ابنا جعفر، عند محمد بن عبد الله (أي النفس الزكية) فأتاه جعفر (أي الصادق) فسلم ثم قال: تحب أن يصطلم أهل بيتك؟ قال: ما أحب ذلك. قال: فإن رأيت أن تأذن لي فقد عرفت علتي. قال: قد أذنت لك، ثم التفت محمد بعد ما مضى جعفر، إلى موسى و عبد الله ابني جعفر فقال: الحقا بأبيكما فقد أذنت لكما، فانصرفا. فالتفت جعفر فقال: ما لكما؟ قالا: قد أذن لنا. فقال جعفر: ارجعا فما كنت بالذي أبخل بنفسي و بكما عنه. فَرَجَعا فشهدا محمدا.] . و في (ص 389) من الكتاب روى: [حدثنا الحسن بن الحسين عن الحسين بن زيد قال: شهد مع محمد بن عبد الله ابن الحسن (أي النفس الزكية) من وُلْدِ الحسين أربعة: أنا و أخي وموسى وعبد الله ابنا جعفر ابن محمد عليهم السلام] . وكذلك روى في (ص 407) : [خرج عيسى بن زيد مع محمد بن عبد الله (أي النفس الزكية) فكان يقول له: من خالفك أو تخلف عن بيعتك من آل أبي طالب فأمكني منه أضرب عنقه] .
و يروي الكليني في أصول الكافي (كتاب الحجة: باب ما يفصل به بين دعوى المحق و المبطل في أمر الإمامة) عدة أحاديث تبين أن محمد بن عبد الله (النفس الزكية) طلب من الصادق أن يبايعه بالإمامة، منها حديث طويل يبين إصرار محمد بن عبد الله على بيعة الصادق له أكثر من مرة، حتى وصل الأمر إلى قوله له: [و الله لتبايعني طائعا أو مكرها و لمَّا تُحمَد في بيعتك! فأبى (أي الصادق) عليه إباء شديدا، و أُمِرَ به إلى الحبس، فقال له عيسى بن زيد: أما إن طرحناه في السجن و قد خرب السجن و ليس عليه اليوم غلق خفنا أن يهرب منه، فضحك أبو عبد الله عليه السلام و قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أوتراك تسجنني؟ قال: نعم و الذي أكرم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة لأسجننك و لأشددن عليك! فقال عيسى بن زيد: احبسوه في المخبأ .... الحديث] [1] [7] .
فلو كان هناك نص نبوي في تعيين ونصب أئمة معينين؛ لعلمه قبل أي أحد آخر هذا السيد الجليل القدر الزاهد المجاهد من أهل بيت النبوة هو وسائر أكابر العترة من آل علي و بالتالي لم يدع لا هو و لا زيد بن علي ولا غيره من سادات الآل، الإمامة، هذا من جهة، و من جهة أخرى لقام حضرة الصادق، أو غيره ممن يعرف النص النبوي على الأئمة، بإطلاع زيد و محمد النفس الزكية وغيرهما من سادات العلويين عليه!.
و من العجب العجاب أن وضاعي الحديث وضعوا على لسان والد محمد النفس الزكية هذا الذي كان ابنه يصر كل ذلك الإصرار على مبايعة الصادق له، حديثا في النص على إمامة الأئمة الاثني عشر!! و يرويه عنه الحسين بن زيد بن علي، الذي كان هو و أخوه عيسى بن زيد بن علي أيضا من أنصار النفس الزكية و ممن بايعه بالإمامة و جاهد بتفان تحت رايته!! و الحديث أورده الحر العاملي في"إثبات الهداة" (ج2/ص540) نقلا عن كتاب كفاية الأثر قال:
[عن الحسين بن زيد بن علي عن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم الجعفري قال حدثنا عبد الله المفضل مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: لما خرج الحسين بن علي المقتول بفخ[2] ? و احتوى على المدينة دعا موسى بن جعفر (أي الكاظم) إلى البيعة فأتاه فقال له: يا ابن عم لا تكلفني ما كلف ابنُ عمك (يقصد النفس الزكية) عمَّك أبا عبد الله عليه السلام (أي الصادق) فيخرج مني ما لا أريد كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يريد ... الحديث] [3] ?. والحقيقة أن مطالبة الحسين بن علي شهيد الفخ من موسى بن جعفر أن يبايعه، بحد ذاتها دليل واضح على عدم وجود كل تلك النصوص الكثيرة في النص على أسماء الأئمة و التي سبقت دراسة بعضها.
(1) الأصول من الكافي: كتاب الحجة: باب ما يفصل به بين دعوى .. حديث 17 في: ج1/ص 363. (مت)
(2) فخ: بئر بين التنعيم و مكة، والحسين هذا هو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي عليهما السلام و أمه زينب بنت عبد الله بن الحسن، خرج في المدينة سنة 199هـ في أيام الخليفة العباسي موسى الهادي بن المهدي بن أبي جعفر المنصور، و خرج معه جماعة كثيرة من العلويين و بايعوه بإمارة المؤمنين ثم استشهد بفخ. (مت)
(3) و هو أيضا في أصول الكافي: كتاب الحجة: باب ما يفصل به بين دعوى المحق و المبطل: ج1/ص366 (مت)