و من هذا المنطلق أيضا قرر الخلفاء العباسيون (أو أيدوا) مبدأ العول والتعصيب في فقه المواريث [1] [6] ليثبتوا أن العباس كان وارث النبي فيثبتوا بهذا أنهم الخلفاء الشرعيون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) !
و لهذا نال فقه الآخرين و آراؤهم من الشهرة و الرواج بين المسلمين ما لم ينله فقه أئمة العترة عليهم السلام، و مع ذلك قيض الله تعالى لهم في كل عصر أتباعا محبين و تلاميذ أذكياء من الباحثين عن الحقيقة غير الآبهين في سبيلها بالأخطار، ممن كان يرجع في فهم دينه و أخذ أحكام شرعه إلى أولاد علي لا يعدل عنهم إلى غيرهم، فحفظوا من فقههم و بياناتهم آلاف الأحاديث و ملؤوا آلاف الدفاتر، التي لا تزال توجد إلى اليوم في متناول المسلمين و تحوز انتباه العام والخاص، مما جعل الغلاة و أعداء الإسلام يستغلون شهرة و مرجعية أولئك الأئمة و يروون عنهم كذبا آلاف الروايات مما شوه صورتهم في أنظار الناس، الأمر الذي حان الوقت للبدء بسرعة في إصلاحه.
و الحاصل أن أئمة العترة كانوا أئمة الناس في الفقه و الدين و في بيان الحلال و الحرام (و في قيادة الأرواح إلى الله عز وجل) ، و الرد عليهم، من هذه الزاوية، رد على الله و رسوله، و حتى الفقهاء الأربعة وغيرهم رجعوا إليهم وأخذوا عنهم العلم.
توجد في كتب الشيعة، علاوة على الأحاديث التي تبين نص رسول الله (صلى الله عليه وآله) على إمامة و خلافة عليِّ عليه السلام بشكل خاص، أحاديث فيها نصه (صلى الله عليه وآله) ، بأمر ربه تعالى، على اثني عشر إماما واحدا واحدا ببيان أسمائهم و علاماتهم، بحيث لا يبقى عذر لأحد! و سنقوم فيما يلي بتمحيص هذه الأحاديث من حيث السند و المتن، إن شاء الله، لنرى ما هي الحقيقة في هذا الأمر؟
الحديث الأول: أهم حديث جاء في كتب الشيعة في التعريف بالأئمة الاثني عشر الحديث المشهور بحديث لوح جابر، و قد ورد هذا الحديث بعدة طرق مختلفة سنعرضها جميعا على أنظار القراء:
أخرج الصدوق الحديث في كتابه"إكمال الدين و إتمام النعمة"وكتابه"عيون أخبار الرضا"بالسند التالي: قال:
[حدثنا محمد بن ابراهيم بن اسحق الطالقاني قال: حدثنا الحسن بن اسماعيل قال حدثنا أبو عمرو سعيد بن محمد بن نصر القطان قال حدثنا عبيد الله بن محمد السلمي قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال حدثنا محمد بن سعيد قال حدثنا العباس أبي عمرو عن صدقة بن أبي موسى عن أبي نصرة قال: لما احتضر أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام عند الوفاة، دعا بابنه الصادق فعهد إليه عهدا، فقال له أخوه زيد بن علي: لو امتثلت فيَ بمثال الحسن والحسين عليهما السلام لرجوت أن لا تكون أتيت منكرا، فقال: يا أبا الحسين إن الأمانات ليست بالمثال و لا العهود بالرسوم، و إنما هي أمور سابقة عن حجج الله تبارك و تعالى، ثم دعا بجابر بن عبد الله فقال له: يا جابر حدثنا بما عاينت في الصحيفة، فقال له جابر: نعم يا أبا جعفر، دخلت على مولاتي فاطمة عليها السلام لأهنئها بمولود الحسن عليه السلام فإذا هي بصحيفة بيدها من درة بيضاء فقلت يا سيدة النسوان ما هذه الصحيفة التي أراها معك؟ قالت: فيها أسماء الأئمة من ولدي. فقلت لها: ناوليني لأنظر فيها، قالت: يا جابر لولا النهي لكنت أفعل، لكنه نهى أن يمسها إلا نبي أو وصي أو أهل بيت نبي و لكنه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها![2] ? قال جابر: فقرأت فإذا فيها: أبو القاسم محمد بن عبد الله المصطفى أمه آمنة بنت وهب، أبو الحسن علي بن أبي طالب المرتضى أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم من عبد مناف، أبو محمد الحسن بن علي البر، أبو عبد الله الحسين بن علي التقي أمهما فاطمة بنت محمد، أبو محمدعلي بن الحسين العدل، أمه شهربانويه بنت يزدجرد بن شاهنشاه، أبو جعفر بن محمد بن علي الباقر أمه عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، أبو إبراهيم موسى بن جعفر الثقة أمه جارية اسمها حميدة، أبو الحسن علي بن موسى الرضا أمه جارية اسمها نجمة، أبو جعفر محمد بن على الزكي أمه جارية اسمها خيزران، أبو الحسن علي بن محمد الأمين أمه جارية اسمها سوسن، أبو محمد الحسن بن علي الرفيق أمه جارية اسمها سمانة وتكنى بأم الحسن، أبو القاسم محمد بن الحسن هو حجة الله تعالى على خلقه القائم أمه جارية اسمها نرجس صلوات الله عليهم أجمعين] [3] [2] .
(1) تعتمد المذاهب السنية الأربعة قاعدتي التعصيب و العول في الإرث، أما التعصيب فهو أن يُعْطَى ما يتبقى من التركة، بعد أن يأخذ كل ذي فرض فرضه، لأّوْلى عصبة ذكر، و هم الأبناء ثم الآباء ثم الإخوة ثم أبناءهم ثم الأعمام ثم أولاد العم، و العباسيون وافقهم هذا الرأي حيث أنه لما لم يكن لرسول الله (ص) أبناء (ذكور) و لا آباء أو إخوة، كان ورثته و عصبته هم أعمامه (العباس) و أبناء عمه (العباسيون) ! أما في الفقه الجعفري فلا تعصيب أصلا بل يأخذ أصحاب الفروض من الطبقة الواحدة فقط كل التركة و لو كانت بنتا واحدة فقط، فرضًا ثم ردًَّا. (مت)
(2) هذا أيضا من علامات الكذب في هذا الحديث إذ أن معرفة أسماء الأئمة الذين اختارهم الله وفرض طاعتهم على العالمين والتي لا نجاة لمسلم إلا بها ـ حسب قول الإمامية ـ أمرٌ ينبغي أن يُعلن و يُنشر لا أن يُخفى و يُستتر عند فرد! (مت)
(3) أول ما يتوجه من إشكال على صحة الحديث و أمثاله أنه من المتواتر أن عددا من الأئمة عليهم السلام لم يكونوا عالمين في بداية الأمر إلى من ستؤول الإمامة من بعدهم، فالصادق (ع) أعلن في البداية أن ابنه الأكبر"إسماعيل"هو الإمام من بعده، لكن إسماعيل توفي في حياة أبيه!!، عندئذ قال الصادق أن الإمام هو"موسى"، وكذلك عين الإمام الهادي ابنه"محمدا"إماما بعده لكن محمدا أيضا توفي في حياة والده!! فنقل الهادي الإمامة من بعده لابنه الآخر"الحسن"، و هذا كله يناقض علمه السابق بأسماء الأئمة واحدا واحدا. و كذلك يتناقض مع حديث لوح جابر و أضرابه، ما رواه الكليني نفسه في أصول الكافي: باب"الإشارة و النص على أبي الحسن الرضا"أن الإمام موسى بن جعفر (ع) لم يكن يعلم إلى من من إولاده ستصير الإمامة من بعده و كان يمل إى إمامة ابنه"القاسم"إلى أن رأي في منامه النبي (ص) و عليا (ع) فسألهما:"أرنيه أيهما هو؟"و مع أن الإمام علي أشار إلى الرضا إلا أن الإمام الكاظم لم يطمئن حتى سأل النبي (ص) فقال:"قد جمَعْتَهم لي ـ بأبي و أمي ـ فأيهم هو؟". فلو كان حديث اللوح صادقا لكان حضرة الكاظم (ع) قد رآه و عرف منه أسماء الأئمة، فما مورد هذا التساؤل منه إذن؟؟!!
و لقد أحصى كاتب هذه السطور ـ أثناء مطالعة أصول الكافي ـ عدد أصحاب الأئمة بدءا من الإمام الحسين (ع) و حتى الإمام الرضا (ع) ، الذين ذكرت روايات الكافي ما يدل على عدم معرفتهم من سيكون الإمام بعد إمام عصرهم، فوجدت أن عددهم بلغ مائة و أربعة!!! فلو صح حديث لوح جابر و نظائره لكان الأئمة أطلعوا على الأقل أصحابهم المقربين على أسماء الأئمة أجمعين حتى لا يتيهوا و لا يضطروا للحيرة والبحث عن كل إمام؟؟!! أي لو كان قول الذين ادعوا ان النبي (ص) عين اثنا عشر إماما من بعده، بأسمائهم، صحيحا، لعرف ذلك الأئمة أنفسهم و لعرف ذلك خلص أصحابهم المقربين، في أن الواقع خلاف ذلك!! (برقعي)