فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 94

و التقوى والصلاح و الفلاح و الأخلاق الإسلامية، و يعتبره أهلا للإمامة و قيادة المسلمين، فإن هذا لا يعني أنه (صلى الله عليه وآله) نصبه بنص تعييني و أمر إلهي للخلافة و حكم المسلمين بعد رسول الله أو نَصَبَ أولاده حكاما على المسلمين إلى يوم القيامة، بحيث لو رجع المسلمون إلى غيره في أمر الحكومة و السياسة و اعتبروه أهلا لقيادتهم السياسية و أطاعوه مادام ملتزما بتطبيق أحكام القرآن و السنة كانوا من أهل النار أجمعين، إماما ومأمومين!!

نعم لو وجد من أهل بيت النبي و عترته من كان أفضل أهل زمانه في العلم و الفضل و التقوى و الشجاعة و الدراية فمن البديهي أنه يكون أولى و أحق من أي أحد سواه بإمامة المسلمين و سياستهم، و على الناس أن ينتخبوه، طواعية من أنفسهم، لهذا المقام، و في الغالب ما يحصل هذا فعلا لأن طبيعة و نفس و روح الناس تتجه لاحترام رسول دينها و نبي شريعتها وأهل بيته و ذريته، و إذا شاهدنا عدول الناس لحد ما عن عترة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في صدر الإسلام فلهذا علل سبقت الإشارة لبعضها يضاف إليها جهل كثير من الناس بحقائق تعاليم الدين و عداء مخالفي الإسلام الذين رأوا في هذا الدين الجديد تهديدا يزلزل أركان أديانهم و شرائعهم الموروثة كاليهودية و النصرانية و المجوسية فسعوا في إضعاف الإسلام وتخريبه بأنواع المكائد و الحيل التي منها الاندساس في هذا الدين و تخريبه من داخله بإحياء سنن الجاهلية و آداب و رسوم المجوسية أو اليهودية أو المسيحية تحت غطاء إسلامي، يريدون بهذا أن يجتثوا حقائق الإسلام من جذورها، لكن مع ذلك نجد في تاريخ الإسلام أنه كلما قام رجل من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و عترته يدعو لإقامة الحق و العدل والقضاء على الجور الظلم والحكم بالكتاب و السنة، التف معه المسلمون من كل حدب و صوب و جاهدوا معه حكام الوقت، كقيام العشرات من آل علي و آل جعفر ضد خلفاء بني أمية وبني العباس مما تكفل كتاب"مقاتل الطالبيين"ببيان قصة جهادهم و إمامتهم، وحتى هذا اليوم عندما يقوم رجل من المنتسبين للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من أحفاد علي و فاطمة عليهم السلام لعزل الظلمة و إقامة حكم القرآن و يكون أهلا للإمامة و الحكم والقيادة، فإن أكثر المسلمين يؤيدونه و يقومون معه وينصرونه رغم أن أكثرهم يجهل كثيرا من تعاليم الإسلام، حيث أصبح القليل من المسلمين في يومنا هذا مَنْ له معرفة صحيحة بأحكام الدين، حيث دخلت في هذا الدين ـ خلال السنين الطويلة التي مرَّت على الإسلام منذ ظهوره و حتى اليوم ـ أغراض و أمراض من الصديق و العدو و تراكمت طبقات كثيفة من غبار الأوهام و الخرافات و البدع على الوجه النوراني للإسلام فغطته، فلم يعد يدرك حقائقه النقية الناصعة إلا القليل ممن هداهم الله:"ذلك هدى الله يهدي به من يشاء""ومن يهدي الله فهو المهتدي".

فإمامة علي بمعنى كونه خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بعد رحلته، في بيان أحكام الحلال و الحرام و في كونه مرجع الخاص و العام في الإرشاد و الهداية و معرفة أحكام الشرع، لا يمكن أن ينكرها أي مسلم منصف ومؤمن بالله و رسوله و مطلع على تاريخ الإسلام و سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و مثل هذا المقام و المنصب لا يمكن الاستيلاء عليه واغتصابه من صاحبه الأصلي بالقوة! لأن العلم و المعرفة و الفضل والتقوى أمور لا يمكن غصبها والاستيلاء عليها، فهذه الإمامة لم يغصبها أحد من علي و آله، و هكذا كان الذين فاقوا أقرانهم في العلم و الفضل و التقوى من أولاد و أحفاد علي، أئمةَ الناس في عصرهم و مرجع الخاص و العام في بيان أحكام الدين و معرفة حلال شرع الله وحرامه.

و إذا رأينا رجالا من أمثال فقهاء المدينة السبعة في عهد حضرة الإمام السجاد عليه السلام، أو أمثال مالك بن أنس و أبي حنيفة النعمان بن ثابت و محمد ابن إدريس الشافعي و ابن أبي ليلى (رحمهم الله تعالى جميعا) ، في زمن حضرات الباقر والصادق و الكاظم عليهم السلام، قد اشتهروا بالعلم و الفقه و صاروا مراجع جمهور المسلمين في أحكام الشرع و الدين، فإن علة ذلك أولًا: فضلهم و علمهم و تقواهم بلا شك، فكل واحد منهم كان حقيقة ذا علم و فضل و تقوى، و كل من كان كذلك لا بد أن يحوز توجه الناس و اقبالهم و محبتهم، فيشتهر و يُقَلَّد.

و علة ذلك ثانيا: سياسة خلفاء بني العباس الذين كانوا يشعرون بالخطر من شخصيات أولاد علي التي تشكل، في الواقع و في أنظار المسلمين، خير منافس لهم، أكثر من أي شخصية إسلامية أخرى، مثل حضرات الباقر و الصادق و عبد الله بن الحسن و محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) و الحسين بن علي شهيد الفخ و محمد بن جعفر، حيث كان كل واحد من أولئك الأعلام من أفضل أهل عصره في العلم و الفقه و التقوى مع الشجاعة و القوة في الحق واللياقة بمنصب إمامة المسلمين أكثر من أي أحد، مما كان يجعل قلوب الكثيرين تميل لإمارتهم و خلافتهم، بل بعضهم بويع فعلا بالإمامة من الخاص و العام، و قام ونهض (لإحياء حكم القرآن و إقامة عدل الإسلام) ، لذا كان الخلفاء العباسيون يضيقون عليهم و يضطهدونهم و لا يسمحون لهم بالحرية التي تجعل الناس يلتفون حولهم، و يسعون بشتى الوسائل في إخمال ذكرهم و التعتيم عليهم، في حين أعطوا الآخرين الحرية و مجال الشهرة بل روجوا لهم و عهدوا لهم أو لتلاميذهم بالمناصب، لأمنهم من عدم طمعهم في الحكم و الزعامة، و حتى لو طمح منهم طامح فإنه لن يجد من يلتف حوله وينصره في طلبه الإمامة، لأن شهرة حديث [الأئمة من قريش] لم تترك مجالا لأبي حنيفة و مالك و أحمد بن حنبل و غيرهم من الأئمة الفقهاء ممن لم يكن بقرشي [1] [5] .

(1) لم يكن الأئمة الأربعة أيضا راضون عن خلفاء عصرهم من بني العباس، فأحمد بن حنبل أمضى سنوات طويلة في سجونهم مع ضربه بالسياط لحد فقدان الوعي بسبب رأي كلامي اختلف فيه مع المأمون. و مالك اعتقل بسبب تأييده لثورة العلويين بقيادة النفس الزكية و إفتائه بجواز نقض البيعة التي تؤخذ بالإكراه، و قد ضرب يالسياط حتى خلعت كتفه!!، كما روى عن الإمام الصادق (ع) في كتابه الموطأ. و كذلك"الشافعي"رغم أنه كان قرشيا، إلاأنه كان محبا و مؤيدا لآل علي (ع) حتى اتهم بالتعاون معهم في اليمن و اعتقل لأجل ذلك. و أشعاره في حب علي و آل النبي مشهورة يعرفها العام و الخاص. أما تأييد الإمام أبي حنيفة لثورات العلويين في عصره، و الذي يدل على أنه كان يراهم أولى الأمة بالخلافة ولم يكن يرى مشروعية خلافة الخلفاء في عصره، فأشهر من أن يذكر، مما حدى ببعض المؤرخين أن يعتبره شيعيا في ولائه السياسي، و قد سجن أبو حنيفة، بسبب أرائه تلك، عدة مرات، في زمن المنصور الدوانيقي و رفض أن يستلم أي منصب من المناصب التي عرضت عليه في عهده حتى توفي آخر الأمر و هو في سجن المنصور. (برقعي)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت