فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 94

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله و كفى، و سلام على عباده الذين اصطفى، و بعد،

فمما لا شك فيه أن كل مؤمن مهتم بأمور المسلمين، يحزنه انقسام الأمة الإسلامية إلى فرق و مذاهب و طوائف مختلفة و أحيانا متنازعة قد يصل الأمر لحد أن يكفِّر بعضها البعض الآخر، و يتمنى أن يوجد سبيل لإنهاء هذه الخصومات المذهبية أو الحد منها، و ذلك عبر نشوء تفهُّم متبادل بين علماء طوائف المسلمين، يتعرف به كل منهم على حقيقة مذهب الآخر، و يتفقون من خلاله على الأصول الأساسية للإسلام، مستقاةً من كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يعذر بعضهم البعض الآخر في الاجتهادات الفرعية، و في رؤاهم لحوادث التاريخ الإسلامي، و غير ذلك من الأمور التي لا تمت لجوهر الدين بصلة، و يكون نتيجة ذلك اعتراف كل فريق بإيمان و إسلام و نجاة الفريق الآخر و الكف نهائيا عن تلقين الأتباع بكفر المخالفين أو هلاكهم في النار، و بذلك تتوحد صفوف الأمة و تتآلف قلوب أبنائها تآلفا حقيقيا لا مصلحيا ظاهريا، و هو أمر يحتاجه المسلمون أكثر من أي وقت مضى في هذا الوقت الذي يواجه فيه المسلمون أعتى التحديات و أشرس العداوة و الحروب من أعداء الإسلام و خصومه المعروفين في الشرق والغرب.

و لقد شعر بهذه الحاجة للتقريب الصحيح بين مذاهب الأمة الإسلامية الكبرى ـ باعتبار أنها نابعة جميعا في الأصل من الإسلام الحنيف تتحرك فيه و تتمسك بأصوله و أن انقسامها لم يكن في الواقع إلا نتيجة لاختلافات أو صراعات سياسية قديمة أكل عليها الدهر و شرب ـ رجالٌ عقلاء من أهل العلم و الفضل و أهل الخير و الحرص على الإسلام و المسلمين، فأدركوا ضرورة بذل الجهود لرأب الصدع و إزالة سوء التفاهم الناجم عن جهل أبناء الطوائف الإسلامية ببعضهم البعض، فقاموا بجهود طيبة في هذا المجال، تجَلَّت بتأليف الرسائل و الكتب و نشر المقالات حول ضرورة الوحدة الإسلامية، كما تجلت في دار التقريب التي نشأت في القاهرة ـ و التي لم تستمر لأسباب سياسية محضة ـ و ما كان يصدر عنها من مجلات و مقالات ممتازة يكتبها علماء الفريقين و تلك الموسوعة الفقهية التي جمعت بين دفتيها آراء المذاهب الفقهية الإسلامية الثمانية، و لا زالت تصدر، ثم تجلت بمراسلات و لقاءات بين بعض علماء الفريقين السنة و الشيعة في العراق و سوريا و لبنان، و في تجمع علماء المسلمين في لبنان، و في دار التقريب التي أنشئت مؤخرا في إيران و في لبنان و في نداوت التقريب بين المذاهب الإسلامية التي تتم في بعض الدول العربية و الإسلامية سواء في آسيا أو شمال أفريقيا، و في غير ذلك من الجهود الطيبة المشكورة.

و هذا الكتاب، أخي المسلم، خطوة طيبة في هذا المجال، من أستاذ فاضل عصامي منصف، من إيران، رأى أن من الأسباب الرئيسية لتباعد و افتراق أبناء مذهبه عن سائر المسلمين، عقيدة الإمامة: التي ترى أن الأئمة الاثني عشر من آل البيت عليهم السلام، منصوبون و معينون من قِبَلِ الله تعالى لإمامة المسلمين، مفترضو الطاعة على العالمين بأمر الله و رسوله صلى الله عليه وسلم، و بالتالي فالإيمان بهم و معرفتهم أصل من أصول الدين يساوق أصل الإيمان بالله و باليوم الآخر و بنبوة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، مما يعني بالنتيجة الضرورية، و بدون لف و دوران، أنه لن تكون هناك نجاة أخروية لأي مسلم أو لأي إنسان دون معرفة أولئك الأئمة و الإيمان بعصمتهم و إمامتهم! [1] [1]

فأراد أن يمحص صحة هذه العقيدة و يرى سندها، فتبين له أن مستندها مجموعة من الأحاديث الواهية الموضوعة من قبل الغلاة التي لا تقوم بها أي حجة رغم كثرتها، ثم تبين له أن القرائن الخارجية من آيات القرآن و وقائع التاريخ و سير الأئمة أنفسهم تؤكد عدم صحة تلك الأحاديث و الرويات و بالتالي عدم صحة العقيدة التي انبنت عليها، فضمَّن نتيجة بحثه هذا الكتاب، مبتغيا بذلك إزالة السبب الرئيسي لتباعد الشيعة الإمامية عن سائر المسلمين، و سماه:"شاهراهِ اتحاد": أي طريق الاتحاد الواسع، و لكنه لم يستطع طباعته بشكل رسمي و نشره لحساسية الموضوع البالغة بالنسبة للعلماء التقليديين، بل اكتفى بعض زملائه ومحبيه بأن يطبعوا الكتاب سنة 1978 م. على الآلة الكاتبة اليدوية ثم مرة ثانية على آلة كاتبة إلكترونية I.B.M. ـ (و كلا الطبعتين كانتا مليئتان بالأغلاط المطبعية بالإضافة لعدم التنسيق) ـ و يصوروا منه بضع مئات من النسخ سرعان ما نفدت.

و قد تعرفت على مؤلف الكتاب (رحمة الله عليه) أثناء إقامتي في إيران، سنة 1980، و زرته عدة مرات في بيته و أهداني عدة من كتبه من جملتها هذا الكتاب، و لما قرأته عزمت على ترجمته لما رأيت فيه من تحقيق فريد و جريء و جديد من نوعه، و بدأت فعلا بترجمته منذ ذلك الزمن و أخبرت المؤلف، فسُرَّ لذلك و شكرني، لكن الظروف و المشاغل الكثيرة فيما بعد، حالت بيني و بين إكمال ترجمته، و استمر الأمر كذلك إلى حين أذن الله، بعد طول زمن، بتوفر فسحة كافية من الفراغ و الهدوء هذا العام، لإكمال ترجمته، و ها هو الكتاب بين يديك أيها القارئ الكريم.

و أداءً للأمانة ينبغي أن أذكِّر في هذه المقدمة بأن مؤلف هذا الكتاب ـ حسبما عرفته شخصيا ـ كان و لم يزل شيعي المذهب، متيَّمًا بعشق الأئمة من آل الرسول رضوان الله و سلامه عليهم أجمعين، و له كتاب يحكي فيه خواطره و لواعجه لدى زيارته قبر سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام و ما زرفه من دموع و ما ألقاه من خطبة مؤثرة في الصحن الحسيني، و هو يفتخر بأنه جعفري من مقلدي أئمة العترة و أتباع مذهبهم، و يرى أن مذهب العترة هو، بنص حديث الثقلين، أحق المذاهب و أولاها بالاتباع، فلم يكن هدفه من هذا الكتاب الحط من أصل التشيع أو ترجيح مذهب آخر عليه، و هو و إن لم يكن يرى أن الإمام علي عليه السلام منصوص على خلافته السياسية من قبل الله ورسوله، إلا أن الحقيقة أنه كان يعتقد ـ كما هو واضح في كتابه هذا الذي ترجمناه ـ بالنص على إمامته الروحية، و يرى بأنه أفضل

(1) مع ذلك ينبغي أن يُذكَر أن عددا من العلماء بل المراجع (الإمامية) المعاصرين، يتملصون من هذه النتيجة اللازمة، بمخارج كمثل أن الإمامة من أصول المذهب لا من أصول الدين أو بأنه ليس كل حامل لعقيدة كفر بكافر، أو بأن المخالفين معذورون بالجهل و الاستضعاف و لا يكفر إلا المعاند منهم، و نحو ذلك من المخارج فيحكمون بإسلام وإمكان نجاة غير الإمامية من المسلمين، و هذا جهد مشكور منهم لتقريب القلوب و رأب الصدع و إن كان الأولى حل المسألة من جذورها كما فعل المؤلف (رحمه الله) (مت)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت