عليه وآله، في الوقت الذي كانت تدور فيه حوادث السقيفة التي انتهت كما رأينا بمبايعة الأنصار لأبي بكر t .
و يواصل ابن قتيبة عرضه لما جرى فيقول: (( و إن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار، إلى علي بن أبي طالب، و معهم الزبير بن العوام رضي الله عنه ـ وكانت أمه صفية بنت عبد المطلب فكان يعد نفسه من بني هاشم و كان علي كرم الله وجهه يقول: ما زال الزبير منا حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا ـ و اجتمعت بنو أمية إلى عثمان، و اجتمعت بنو زهرة إلى سعد(بن أبي وقاص) و عبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد الشريف مجتمعين، فلما أقبل عليهم أبو بكر و أبو عبيدة و قد بايع الناس أبا بكر، قال لهم عمر: ما لي أراكم مجتمعين حلقا شتى [1] [26] ، قوموا فبايعوا أبابكر، فقد بايعتُهُ و بايعه الأنصار، فقام عثمان بن عفان و من معه من بني أمية فبايعوه، و قام سعد (بن أبي وقاص) وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة فبايعوا. و أما علي و العباس بن عبد المطلب و من معهما من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم و معهم الزبير بن العوام، فذهب إليهم عمر في عصابة فيها أُسَيْد بن حُضَيْر، وسلمة بن أسلم، فقالوا: انطلقوا فبايعوا أبا بكر، فأبوا، فخرج الزبير بن العوام رضي الله عنه بالسيف فقال عمر: عليكم بالرجل فخذوه فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، وانطلقوا به فبايع، وذهب بنو هاشم أيضا فبايعوا )) [2] [27] .
لقد اختلفت الروايات التاريخية في كيفية و زمن مبايعة علي عليه السلام لأبي بكر رضي الله. فبعض الروايات تحكي أن عليا بايع أبا بكر فورا و دون توقف، كما أخرج ذلك الطبري في تاريخه حيث قال: (( حدثنا عبد الله بن سعيد قال أخبرني عمي قال أخبرني سيف عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت: قال: كان علي في بيته إذ أُتِيَ فقيل له قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج في قميص ما عليه إزار و لا رداء عجِلا كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه ثم جلس إليه، وبعث إلى ثوبه فأتاه، فتجلله و لزم مجلسه ) ) [3] [1] .
و لكن هذه الرواية منفردة لا يوجد ما يؤيدها، بل المسَلَّم به الذي اتفقت عليه أكثر التواريخ أن عليا كره البيعة و توقف في مبايعة أبي بكر رضي الله عنه ردحا من الزمن إلى أن بايعه في النهاية، حسبما سيأتي شرحه، و ذلك ـ على ما يظهر ـ بعد وفاة فاطمة عليها السلام. روى ذلك الطبري نفسه في تاريخه المذكور حيث قال: (( و كان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة، فلما توفيت فاطمة، انصرفت وجوه الناس. فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله(ص) ثم توفيت. قال معمَّر: فقال رجل للزُّهري: أفلم يبايعه علي ستة أشهر؟ قال: لا، و لا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي، فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه، ضرع إلى مصالحة أبي بكر رضي الله عنه فأرسل إلى أبي بكر رضي الله عنه أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر، فقال عمر: لا تأتهم وحدك، قال أبو بكر: والله لآتينهم وحدي، و ما عسى أن يصنعوا بي؟ قال: فانطلق أبو بكر فدخل على علي و قد جمع بني هاشم عنده، فقام علي فحمد الله و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك و لكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا، فاستبددتم به علينا، ثم ذكر قرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحقهم، فلم يزل علي يقول ذلك حتى بكى أبو بكر، فلما صمت عليٌّ، تشهد أبو بكر فحمد الله و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فوالله لَقَرَابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي، وإني والله ما آلوت في هذه الأموال التي كانت بيني و بينكم غير الخير، ولكني سمعت رسول الله يقول"لا نُورَثُ، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال"و إني أعوذ بالله، لا أذكر أمرا صنعه محمد رسول الله إلا صنعته فيه إن شاء الله، ثم قال (علي) : موعدك العشيّ للبيعة. فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر، ثم قام علي فعظَّم مِن حق أبي بكر رضي الله عنه و ذكر فضيلته وسابقته ثم مضى إلى أبي بكر رضي الله عنه فبايعه. قالت (أي عائشة، وهي التي أخرج الطبري عنها هذه الرواية) : فأقبل الناس إلى علي فقالوا: أصبت وأحسنت، قالت: فكان الناس قريبا إلى علي حين قارب الحق و المعروف )) [4] [2] . عند ذاك ذكر الطبري الرواية التي تبين مجيء أبي سفيان لحضرة علي عليه السلام يحرضه على أبي بكر رضي الله عنه و يقول له: [ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش؟ و أيم الله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا و رجالا، قال: فقال عليٌّ: يا أبا سفيان طالما عاديت الإسلام و أهله فلم تضرّه بذاك شيئا، إنا وجدنا أبا بكر لها أهلًا] . وجاء في كتاب"الأخبار الموفقيات" (ص 585) أن عليا عليه السلام قال في رفضه لعرض أبي سفيان هذا،"لي عهد مع رسول الله و نحن جميعا ملزمون به".
و روى المسعودي الشيعي في تاريخه"مروج الذهب"قصة سقيفة بني ساعدة (في الجزء الأول، صفحة 412 من طبعة عام 1316 هـ) ، كما أورد القصة مختصرا في تاريخه"التنبيه و الإشراف"في الصفحة 247 حيث قال: (( وبويع أبو بكر في اليوم الذي تُوُفِّيَ فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع
(1) حِلَق: جمع حلقة و تقال للقوم المجتمعين المستديرين في اجتماعهم كالحلقة، و شتى معناها متفرقين. (مت)
(2) الإمامة و السياسة: ج 1/ ص 17 و 18. (مت)
(3) تاريخ الأمم و الملوك: ج 2/ ص 447،حوادث 11 هـ (القاهرة، مطبعة الاستقامة 1357 هـ /1939م) . (مت)
(4) المصدر السابق: ج 2 / ص 447 (مت) .