الأول سنة 11 من الهجرة وقد كانت الأنصار نصبت للبيعة سعد بن عبادة بن دُلَيْم الأنصاري ثم الخزرجي، فكانت بينه و بين من حضر من المهاجرين في السقيفة منازعة طويلة و خطوب عظيمة، و علي و العباس و غيرهم من المهاجرين مشتغلون بتجهيز النبي (ص) و دفنه، و كان ذلك أول خلاف حدث في الإسلام بعد مضي النبي (ص) ، وارتدَّ أكثر العرب بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فمن كافر، و مانع للزكاة و الصدقة، و كان أعظمهم شوكة و أخوفهم أمرا مسيلمة الكذَّاب الحنفي باليمامة و طليحة بن خويلد الأسدي في أسد بني خزيمة، و قد عاضده عُيَيْنة بن حصن الفزاري في غطفان فوجَّه أبو بكر إليهم و إلى جميع من ارتد من ضاحية مضر، خالدَ بن الوليد (إلى أن قال في آخر ذلك الفصل) و لم يبايع علي عليه السلام أبا بكر رضي الله عنه إلى أن توفيت (يعني فاطمة) و تُنُوزِع في كيفية بيعته إيَّاه] [1] [3] .
و بهذا النحو أورد"اليعقوبي"، المؤرخ الشيعي، في تاريخه، تفاصيل قصة سقيفة بني ساعدة، فقال تحت عنوان: خبر سقيفة بني ساعدة و بيعة أبي بكر: (( و اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، يوم توفي رسول الله [2] [4] ... يُغْسلُ، فأجلست سعد بن عبادة الخزرجي، و عصَّبَتْه بعصابة، و ثنت له وسادة. و بلغ أبا بكر و عمر بن الخطاب و أبا عبيدة الجراح فقالوا: يا معشر الأنصار! منا رسول الله، فنحن أحق بمقامه. وقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير! فقال أبو بكر: منا الأمراء و أنتم الوزراء. فقام ثابت بن قيس ابن شمَّاس، و هو خطيب الأنصار، فتكلم وذكر فضلهم. فقال أبو بكر: ما ندفعهم عن الفضل، و ما ذكرتم من الفضل فأنتم له أهل، و لكن قريشا أولى بمحمد منكم و هذا عمر بن الخطَّاب الذي قال رسول الله: اللهم أعز الدين به! و هذا أبو عبيدة الجراح الذي قال رسول الله: أمير هذه الأمة، فبايعوا أيهما شئتم! فأبيا عليه و قالا: والله ما كنا لنتقدمك، و أنت صاحب رسول الله و ثاني اثنين. فضرب أبو عبيدة على يدي أبي بكر، و ثنى عمر، ثم بايع من كان معه من قريش.
ثم نادى أبو عبيدة: يا معشر الأنصار إنكم كنتم أول من نصر فلا تكونوا أول من غير و بدَّل. و قام عبد الرحمن بن عوف فتكلم فقال: يا معشر الأنصار، إنكم و إن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر و عمر وعلي، و إن فيهم رجلا لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد، يعني، علي بن أبي طالب. فوثب بشير بن سعد من الخزرج، فكان أول من بايعه من الأنصار، وأُسَيْد بن حُضَيْر الخزرجي، و بايع الناس حتى جعل الرجل يطفر وسادة سعد بن عبادة، و حتى وطئوا سعدا. و قال عمر: اقتلوا سعدا، قتل الله سعدًا!
و جاء البراء بن عازب، فضرب الباب على بني هاشم و قال: يا معشر بني هاشم، بويع أبو بكر. فقال بعضهم: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه، و نحن أولى بمحمد. فقال العباس: فعلوها و رب الكعبة.
و كان المهاجرون و الأنصار لا يشُكُّون في عليٍّ، فلما خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس، و كان لسان قريش، فقال: يا معشر قريش، إنه ما حقت لكم الخلافة بالتمويه، و نحن أهلها دونكم، و صاحبنا أولى بها منكم.
و قام عتبة بن أبي لهب فقال [3] [5] :
ما كنت أحسب أن الأمر منصرفٌ ... عن هاشم ثم منها عن أبي الحسنِ
عن أوَّلِ الناس إيمانا و سابقةً [4] [6] ... و أعلم الناس بالقرآن و السننِ
و آخر الناس عهدا بالنبي، و مَنْ ... جبريل عون له في الغَسْل و الكفنِ
مَنْ فيه ما فيهمُ لا يمترون به، ... و ليس في القوم ما فيه من الحَسَنِ
ما ذا الذي ردهم عنه فتعلمه ... ها إن ذا غبننا من أعظم الغبن [5] [7]
فبعث إليه علي فنهاه [6] [8] . و تخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار، و مالوا مع علي بن أبي طالب، منهم: العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، و الزبير بن العوام بن العاص، و خالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، و أبو ذر الغفاري، و عمار بن ياسر، و البراء بن عازب، و أبي بن كعب، فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطَّاب وأبي عبيدة الجراح و المغيرة بن شعبة، فقال: ما الرأي؟ قالوا: الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب، فتجعل له في هذا الأمر نصيبا يكون له و لعقبه من بعده، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب حجة لكم على علي، إذا مال معكم، فانطلق أبوبكر و عمر و أبوعبيدة بن الجراح و المغيرة حتى دخلوا على العباس ليلا، فحمد أبو بكر اللهَ و أثنى عليه، ثم قال: إن الله بعث محمدًا نبياُ و للمؤمنين وليًا، فمنَّ عليهم بكونه بين أظهرهم، حتى اختار له ما عنده، فخلى على الناس أمورًا ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم مشفقين، فاختاروني عليهم واليًا ولأمورهم راعيًا، فوليت ذلك و ما أخاف بعون الله وتشديده وهنًا، و لا حيرة و لا جبنا، و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، و ما انفكَّ
(1) التنبيه و الإشراف: الصفحات 247 إلى 250. (مت)
(2) بياض في الأصل.
(3) البعض ينسب هذه الأشعار للفضل بن العباس و بعضهم ينسبها أيضا لعبد الله بن سفيان.
(4) هذا المصراع ذكر في كتاب الأخبار الموفقيات على النحو التالي: أليس أول من صلى لقبلتكم؟
(5) هذا البيت الأخير لم يُذكَر في كتاب الأخبار الموفقيات.
(6) جاء في"الأخبار الموفقيات" (ص 583) عند روايته لهذه الحادثة: (( فبعث إليه علي فنهاه و أمره أن لا يعود و قال: سلامة الدين أحب إلينا من غيره ) ).