فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 94

و كذلك لا يمكن اعتبار أحاديث مثل حديث"الطير المشوي"و حديث"المؤاخاة"و حديث"إعطاء الراية"و أمثالها من الأحاديث الواردة في كتب الفريقين في مناقب و فضائل علي عليه السلام دليلا على النص عليه و تعيينه إماما مفترض الطاعة من قِبَلِ الله تعالى على المؤمنين طاعة مطلقة كطاعة الرسول صلى الله عليه وآله؛ نعم هي أحاديث صحيحة في فضل علي عليه السلام و عظيم مقامه، لكنها ليست مستندا للقول بإمامته المنصوص عليها من الله بل أكثر ما تفيده أولويته وأفضليته لمنصب الإمامة فحسب.

6 ـ كان حديث الغدير ـ الذي هو أهم ما يستند إليه القوم في إثبات النص على علي بالإمامة ـ بعيدا جدا في نظر الصحابة عن إفادة هذا المعنى لدرجة أن أحدا منهم لم يستند إليه للاستدلال على النص على الإمام و لم يستفد منه موضوع الإمارة والخلافة! هذا في حين أن الأنصار لما ذُكِّروا بحديث"الأئمة من قريش"، الذي ربما لم يسمعه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا القليل، تقاعدوا عن الإصرار على تولي منصب الإمامة و اقتنعوا بحجة المهاجرين عملا بقول نبيهم الكريم، فكيف كان من الممكن أن يعرضوا عن نص صريح دال على إمامة علي عليه السلام؟؟! هذا مع التذكير بما قلناه مرارا أن عليا عليه السلام كان دائما محبا و حاميا للأنصار (أي لم يكن عندهم أي داع لرفض إمامته عليهم) . أجل لم يكن لحديث الغدير من الأهمية، حتى في أنظار شيعة علي و أنصاره، ما كان لحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّار بن ياسر رضي الله عنه: [تقتلك الفئة الباغية] [1] [2] والذي ربما لم يقله أكثر من مرة واحدة، لكنه كان في نظر الصحابة على درجة من الأهمية بحيث أنه لما قتل عمّار في وقعة صفين على أيدي جيش معاوية، وقعت ضجة و اضطراب وصخب في صفوف الطرفين، حتى كاد جيش معاوية ينقلب ضده أو على الأقل يتخلى عنه وعن القتال معه، هذا من جهة جيش معاوية، و من الجهة الأخرى أقدم عدد من المتردِّدين من أصحاب علي ـ بعد استشهاد عمار ـ على الحرب معه ضد معاوية و جنده بكل ميل و رغبة، حتى أن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، الذي جعله صاحب كتاب الاحتجاج أحد المحتجين الاثني عشر على أبي بكر، لم يكن مستعدا في البداية أن يشهر سيفه و يقاتل إلى جانب علي في صفين بيقين و اطمئنان! ـ كما يروي ذلك البلاذري صاحب أحد أقدم الكتب التاريخية أي كتاب"أنساب الأشراف"ـ لكنه لما علم باستشهاد عمار و قتله على يد فئة معاوية أيقن أن معاوية و جماعته هم البغاة بنص الحديث فأقدم بكل حماس وإيمان على القتال إلى جانب علي حتى نال شربة الشهادة رضي الله عنه [2] [3] . إذًا في نظر خزيمة كان حديث"عمار مع الحق، تقتله الفئة الباغية"أهم من حديث:"عليّ مع الحق"فضلا عن حديث:"من كنت مولاه فعليٌّ مولاه .. الخ"، و كذلك أبو الهيثم بن التيهان ?، الذي يذكر صاحب كتاب الاحتجاج عنه أيضا أنه كان من المحتجين الاثني عشر على أبي بكر رضي الله عنه، لم يكن مستعدا للقتال في صف علي عليه السلام في بداية صفين إلى أن استشهد عمار، عندها أقدم على القتال إلى جانب علي حتى نال الشهادة، كما نقل عنه هذا الأمر"البلاذري"أيضا في كتابه المذكور (ج2/ص 319) .

إذًا لو كان حديث الغدير"من كنت مولاه فهذا علي مولاه .."يدل على الإمارة و الخلافة المنصوص عليها من الله تعالى لعليّ لما أعرض عنها أولئك الأصحاب أبدا، و لذكرها و استند إليها الأنصار على الأقل.

أما خطبة الغدير الطويلة جدا التي يُذكَر فيها النص على علي بكل صراحة و وضوح و التي توردها كتب الشيعة منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، كتلك التي يرويها الطبرسي في كتابه"الاحتجاج"، فهي خطبة موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وآله و فيما يلي بيان ذلك:

يروي الطبرسي في كتابه"الاحتجاج"بقوله: حدثني .. و يذكر سلسلة مشايخ إجازته إلى قوله: [قال: حدثنا محمد بن موسى الهمداني قال حدثنا محمد بن خالد الطيالسي قال حدثني سيف بن عميره و صالح بن عقبة جميعا عن قيس بن سمعان عن علقمة بن محمد الحضرمي عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام و يسوق الحديث الطويل (الذي يقع في 29 صفحة مع الحواشي!) عن جابر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ] [3] [4] .

فلنبدأ ببيان الحال التعيسة لمحمد بن موسى الهمداني:

1)قال التفرشي في"نقد الرجال" (ص336) : [محمد بن موسى الهمداني ضعَّفه القميُّون بالغلو و كان ابن الوليد يقول إنه كان يضع الحديث. (غض) ضعيف يروي عن الضعفاء] .

2)في"تنقيح المقال"للممقاني (ج3/ ص 194) ، ضمن بيانه لحال الرجل قال عنه أنه وضع كتابا باسم زيد النرسي وضع فيه أحاديث كثيرة!.

3)في قاموس الرجال للعلامة التستري (ج 8/ ص 409) ، بعد أن بين حاله خلص إلى القول: [فضعفه اتفاقي، قال به ابن الوليد و ابن بابويه و ابن نوح و فهرست الطوسي و النجاشي و ابن الغضائري] .

4)و أورده ابن داود الحلي في (ص 512 من) "رجاله"في القسم الثاني المخصص

(1) حديث متواتر روي عن نيف و عشرين صحابيا، رواه البخاري في صحيحه و غيره و قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي: [قال ابن عبد البر: تواترت بذلك الأخبار و هو من أصح الحديث] (مت) .

(2) هل يمكن للعقل و الوجدان السليمين أن يقبلا بأن يكون مثل هؤلاء الصحابة الذين كانوا مؤمنين مطيعين لتعاليم نبيهم (ص) و مستسلمين لأوامره إلى هذه الدرجة، أن يكونوا قد سمعوا نصا منه (صلىلله عليه وآله وسلم) في تنصيب علي عليهم إماما و خليفة و مع ذلك يكتموا هذا النص و لا يولوه أي عناية؟؟!! ( x)

(3) الاحتجاج: ج 1 / ص 133 - 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت