3 ـ تعيين أشخاص معينين لحكم المسلمين بأمر الله تعالى إلى يوم الدين يضيق دائرة تكليف المؤمنين و ميدان عملهم و تكاملهم، و يضعف حريتهم و اختيارهم ويذهب بالتالي بهدف النبوة الخاتمة كما سبق توضيحه، كما أنه يناقض أساس الشرائع الإلهية، و الهدف الذي لأجله خلق الله البرية و الذي يستلزم وجود الاختيار و الافتتان ليمتحن الله تعالى الناس و يرى أيهم أحسن عملا؟!
4 ـ تؤكد التواريخ المعتمدة أنه كان أحيانا لبعض الأئمة ـ من الأئمة الاثني عشر الذين ترى الإمامية عصمتهم المطلقة ـ وجهات نظر و مواقف و أعمال متخالفة، مثل مصالحة الإمام الحسن عليه السلام لمعاوية ومحاربة الإمام الحسين عليه السلام ليزيد، مما أوقع العلماء في تخبطات حين حاولوا التوفيق بين هذه المواقف المختلفة [1] ? و تمسك بعضهم بروايات واهية تقول بأنه كان لكل إمام صحيفة خاصة من الله تعالى يعمل بها!! و معنى ذلك أنه كانت لكل منهم واجبات وكتاب و سنة خاصة بهم غير القرآن الكريم والسنة النبوية التي يعرفها سائر المسلمون!! و هذا، لعمري، أصل خطير جدا يؤدي القول به إلى لزوم قبول كل ما ينسب لإمام من الأئمة من أعمال و أقوال و لو كانت مخالفة لظواهر القرآن الكريم، و الأمر بطاعته، و هذا بمثابة منشار يجتث تعاليم القرآن من أساسها!! هذا في حين أن الأئمة"عليهم السلام"أنفسهم جعلوا القرآن الكريم المعيار و المرجع الذي يوزن به كل ما ينسب إليهم و ينقل عنهم من أخبار فما وافق القرآن الكريم كان عنهم وما خالفه فليس عنهم بل مردود و زخرف من القول و يضرب به عرض الحائط.
5 ـ لو كانت مسألة النص على الإمام على ذلك المقدار من الخطورة و الأهمية لبلغها الرسول صلى الله عليه وآله بشكل واضح وصريح و لنادى بها في الملأ العام ولأعلن بها كل صباح و مساء، و لما اقتصر على حديث الغدير الذي لم يستطع حتى أقرباء و أنصار علي عليه السلام أن يدركوا منه معنى التعيين لمنصب الخلافة والإمامة، كما مر معنا من مقالة أبي الهيثم بن التيهان لدى ذكر احتجاج الاثني عشر شخصا على أبي بكر، على الرغم من أن الحديث، في الغالب، موضوع من أساسه، لكنه على أي حال إقرار من واضعه بغموض دلالة الحديث على النصب للإمامة.
(1) أشار المؤلف إلى اختلاف وجهات نظر الأئمة مع بعضهم فنذكر تأييدا لقوله بعضا من هذه الاختلافات:
1 ـ فمن ذلك ما رواه العلامة المجلسي في البحار فقال: (( عن حبيب بن أبي ثابت قال: كان بين علي و فاطمة كلام فدخل رسول الله(ص) فأخذ رسول الله (ص) يد علي فوضعها على سرته و أخذ يد فاطمة فوضعها على سرته فلم يزل حتى أصلح بينهما، ثم خرج فقيل له يا رسول الله! دخلت و أنت على حال وخرجت و نحن نرى البشرى في وجهك! قال: و ما يمنعني و قد أصلحت بين اثنين أحب من على وجه الأرض إلي )). [بحار الأنوار، الطبعة الجديدة، تحقيق و تعليق محمد باقر البهبودي، ج3 / ص 146] .
2 ـ و من ذلك ما ذكره العلماء المؤرخون من اختلاف في الرأي بين الإمام الحسن و أبيه الإمام علي عليهما السلام، من ذلك ما نقله الدينوري في الأخبار الطوال فقال: (( ... فدنا منه الحسن فقال: يا أبتِ أشرت عليك حين قتل عثمان و راح الناس إليك و غدوا و سألوك أن تقوم بهذا الأمر ألا تقبله حتى تأتيك طاعة جميع الناس في الآفاق، و أشرت عليك حين بلغك خروج الزبير و طلحة بعائشة إلى البصرة أن ترجع إلى المدينة فتقيم في بيتك و أشرت عليك حين حوصر عثمان أن تخرج من المدينة، فإن قتل، قتل وأنت غائب، فلم تقبل رأيي في شيء من ذلك. فقال له علي: أما انتظاري طاعة جميع الناس من جميع الآفاق، فإن البيعة لا تكون إلا لمن حضر الحرمين من المهاجرين و الأنصار فإذا رضوا و سلموا وجب على جميع الناس الرضا و التسليم و أما رجوعي إلى بيتي و الجلوس فيه، فإن رجوعي لو رجعت كان غدرا بالأمة، و أما خروجي حين حوصر عثمان فكيف أمكنني ذلك؟ و قد كان الناس أحاطوا بي كما أحاطوا بعثمان، فاكفف يا بني عما أنا أعلم به منك ) ) [الأخبار الطوال، أبو حنيفة الدينوري، تحقيق عبد المنعم عامر و جمال الدين الشيال، ص 145] هذا و قد نقل العلامة المجلسي في بحار الأنوار عن الشيخ المفيد نظير هذا الاعتراض من الإمام الحسن على أبيه فقال فيه: (( فلما فرغ(أمير المؤمنين) من صلاته قام إليه ابنه الحسن بن علي ـ عليهما السلام ـ و جلس بين يديه ثم بكى و قال: يا أمير المؤمنين إني لا أستطيع أن أكلمك و بكى، فقال له أمير المؤمنين: لا تبك يا بني و تكلم و لا تحنَّ حنين الجارية، فقال: يا أمير المؤمنين: إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه إما ظالمون أو مظلومون، فسألتك أن تعتزل الناس و تلحق بمكة حتى تؤوب العرب و تعود إليها أحلامها و تأتيك وفودها ... ثم خالفك طلحة و الزبير فسألتك أن لا تتبعها و تدعها فإن اجتمعت الأمة فذاك و إن اختلفت رضيتَ بما قسم الله و أنا اليوم أسألك ألا تقدم العراق و أذكرك بالله أن لا تُقتَل بمضيعة، فقال أمير المؤمنين: أما قولك إن عثمان حصر فما ذاك و ما عليَّ منه فقد كنت بمعزل عن حصره، و أما قولك ايت مكة فوالله ما كنت لأكون رجل الذي يستحل بمكة، و أما قولك اعتزل العراق و دع طلحة و الزبير فو الله ما كنت لأكون كالضبع تنتظر حتى يدخل عليها طالبها فيضع الحبل في رجلها ... )) [بحار الأنوار: الطبعة الجديدة، ج 32 / ص 103 ـ 104 وذكر محقق البحار في نفس حاشية الصفحة أن الحديث ورد في أمالي الشيخ الطوسي الطبعة الأولى، الجزء الثاني/ ص 32، و في كتاب نهج السعادة كذلك] .
3 ـ ذكر عدد من المؤرخين اختلاف الإمام الحسين عليه السلام مع أخيه الإمام الحسن عليه السلام بشأن صلحه مع معاوية و فيه يقسم الحسين عليه بالله ألا يقبل بهذا الصلح، و لكن، كما نعلم، لم يصغ الحسن لالتماس أخيه و أمضى الصلح مع معاوية. [انظر تاريخ الأمم و الملوك للطبري، و تاريخ دمشق لابن عساكر، تحقيق علي شيري، دار الفكر، ج 13/ ص 267، و تاريخ ابن خلدون، طبع مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ج 2 / ص 186. هذا و من الجدير بالذكر أن تضعيف بعض المحدثين لسند هذا الحديث ليس في موضعه، فصحيح أن"عثمان بن عبد الرحمن"لم يكن شيعيا إلا أنه ـ كما يقرر الشهيد الثاني في"دراية الحديث"ـ المهم هو صدق الراوي و لو كان مخالفا في المذهب، فيؤخذ برواية الصدوق و لو لم يكن شيعيا و تسمى روايته بالموثقة. و قد ذكر الرجالي"ابن معين"في ترجمة"عثمان بن عبد الرحمن"هذا أنه (( صدوق ) )، و إذا كان البخاري قد قال عنه في رجاله أنه (( يروي عن أقوام ضعاف ) )فإن ابن أبي حاتم نقل عن أبيه قوله (( أنكر أبي على البخاري إدخال عثمان في كتاب الضعفاء و قال هو صدوق ) ). طبعا البخاري لم يجرح عثمان نفسه بل بين أنه يروي عن أقوام ضعاف، فإذا ثبت أن روايته هنا لم تكن عن ضعيف فليس للبخاري إذا من اعتراض عليها.] .
4 ـ و من الاختلافات الأخرى ما نجده في الكتب الفقهية من روايات و نقول مختلفة و متعارضة عن الأئمة عليهم السلام مع عدم إمكان حمل أحد الخبرين على التقية لعدم وجود مورد للخوف و التقية من المخالفين في أي من الروايتين، من ذلك مثلا هذان الخبران المتناقضان عن الإمام الصادق و الإمام الكاظم عليهما السلام، الأول: (( محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام في زيارة القبور، قال: إنهم يأنسون بكم فإذا غبتم عنهم استوحشوا ) )، أما الخبر الثاني: (( محمد بن علي بن الحسين(ابن بابويه) بإسناده عن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر بلغني أن المؤمن إذا أتاه الزائر أنس به فإذا انصرف عنه استوحش، فقال: لا يستوحش )) [وسائل الشيعة، الشيخ الحر العاملي، ج2 / ص 878] . و يوجد أمثل أخرى لذلك الاختلاف و طبعا لا يمكن أن يكون كلا القولين المتخالفين صحيح. ( x)