فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 94

و جل بالإيمان بها و جعل منكر أحدها كافرا من الضالين و هي أن نؤمن بالله تعالى الواحد الأحد و باليوم الآخر و بملائكته و كتبه و رسله لا نفرق بين أحد من رسله.

و لم يأت الله عز و جل، في كتابه، الذي وصفه بأنه تبيانٌ لكل شيء، على الإمامة و لا على الإيمان بأئمَّةٍ معينين مخصوصين بأي ذكر، فلا يحق لأي أحد بعد ذلك أن يأتي و يزيد هذه الأمور على ما ذكره الله من أصول الدين وأركان اليقين، إذ من البديهي أن لو كان الإيمان بخلفاء أو أئمة معينين (سواء كانوا منصوصا عليهم ومنصوبين من قبل الله أم غير منصوص عليهم) أمر أساسي من أمور الدين و معرفتهم شرط لازم للإسلام و الإيمان، لذكر الله عز وجل ذلك بكل صراحة و وضوح في كتابه الحكيم، فلما لم يفعل عُلِمَ أن معرفة ذلك والإيمان به ليس من أصول الدين اللازمة. و السلام على من اتبع الهدى.

خادم الشريعة أبو الفضل بن الرضا البرقعي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد و آله و أتباعه، و السلام علينا و على عباد الله الصالحين.

عقل و تفكير جميع بني الإنسان و تجربة وخبرة البشر و ليس هذا فحسب بل كذلك وحي خالق العالم و تعاليم الأنبياء و المختارين تدل جميعها بأوضح بيان و أصرح لسان على وجوب الاتحاد و وحدة الكلمة و اتفاق الأمة و الجماعة واتفاق كل شعب و مجتمع يعيش أفراده بجوار بعضهم البعض، إذ أن بركات الاتحاد و محاسن الاتفاق أوضح من أن تحتاج لذكر أو بيان، فأدنى ذي شعور يحكم بعظيم فائدتها و حسن عاقبتها. و قد دعا خالق العالم، في آيات متعددة من كتابه المحكم، المسلمين، للوحدة و الاتحاد و الاجتماع و الاتفاق، فقال سبحانه في سورة الأنبياء / 92: {إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون} و في سورة المؤمنون/52: {و إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاتقون} فذكّرهم بكلمة التوحيد لتتوحد كلمتهم و تتحد جماعتهم قائلا: بما أنني أنا وحدي ربكم جميعا فكونوا أنتم أيضا أمة واحدة واعبدوني وحدي جميعا و لا تخافوا إلا إيّاي.

و برغم أن هيئة و نظام الخليقة بحد ذاته دليل واضح على أن خالقها واحد، و هذه حقيقة واضحة و برهان متقن، لكن إذا لم تكن ثمرة هذه الحقيقة ونتيجتها توحيد الكلمة و الاتفاق، فإن ذلك يعتبر فقدانا كبيرا و خسارة عظيمة، تماثل أن نكون عميانا و نحن بجوار بحر النور، أو عطاشى و نحن بجوار شريعة الكوثر الزلال. لقد حذرنا الحق تعالى من الاختلاف و التشتت و دعا الناس للاعتصام بحبل الله الذي هو القرآن المجيد و دين الإسلام المبين فقال: {واعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا} آل عمران /103، و قال كذلك: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البيِّنات و أولئك لهم عذاب عظيم} آل عمران /105، و قال أيضا: {و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فَتَفَرَّقَ بكم عن سبيله ذلك وصَّاكم به لعلكم تتقون} الأنعام / 153. وقال سبحانه وتعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنّما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} الأنعام/159،وقال كذلك: {شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحا و الذي أوحينا إليك و ما وصَّيْنا به إبراهيم و موسى وعيسى أن أقيموا الدِّين و لا تتفرقوا فيه كَبُرَ على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء و يهدي إليه من ينيب. و ما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بَغْيًَا بينهم .. } الشورى / الآيات 13ـ14. وعلينا أن ننتبه أنه لما أخبرنا الله تعالى عن الكفار أنهم: {تحسبهم جميعا و قلوبهم شتى} سورة الحشر /14، فمعناه أن المؤمنين عليهم أن يعتبروا من ذلك ويكونوا على خلاف تلك الحال بأن يكونوا متحدي القلوب في وحدة حقيقية صادقة، عاملين بحكم قرآن رب العالمين الذي نهاهم عن التفرق و أمرهم بالاجتماع ووحدة الكلمة، لا أن يتحدوا مجرد اتحاد صوري فاقد للحقيقة والأصالة، بل أن تكون وحدتهم متجذرة في قلوبهم.

إن التفرقة في الدين مذمومة لدرجة أن قوم موسى لما عبدوا العجل بتضليل السامري، و رجع سيدنا موسى عليه السلام غاضبا و أخذ بلحية أخيه ورأسه كان مما قاله سيدنا هارون عليه السلام معتذرا عن عدم تركهم: { ... إني خَشِيْتُ أَنْ تقولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إسرائيل و لم تَرْقُبْ قَوْلِي ... } طه / 94. وأخيرا فقد بين سبحانه وتعالى في كتابه أن التفرق و التنازع و الاختلاف في الآراء موجب لضعف شوكة المسلمين و ذهاب عزتهم و قوتهم فقال: {وأطيعوا الله و رسوله و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم و اصبروا إن الله مع الصابرين} الأنفال / 46.

و يوجد في السنة النبوية ما لا يكاد يحصى من الأحاديث الصحيحة في وجوب الالتزام بالجماعة، من جملة ذلك الحديث المشهور الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم>) : (( .. من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع ) ) [1] ? و الحديث الآخر الذي قال فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) : (( من خرج من الطاعة و فارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية ) ) [2] [2] . و مثل هذا ما جاء في الخطبة رقم 127 من نهج البلاغة عن سيدنا مولى الموحدين و أمير المؤمنين حيث قال:"و الزموا السواد الأعظم فإن يد الله مع الجماعة، و إياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب، ألا من دعا إلى هذا الشعار (أي شعار التفرقة و الانشقاق) فاقتلوه و لو كان تحت عمامتي هذه"أي أنني أنا نفسي أمير المؤمنين لو دعوتكم للفرقة و التحزُّب فاقتلوني! والحقيقة أن

(1) رواه بهذا اللفظ الترمذي في جامعه الصحيح: كتاب الأمثال / باب رقم 3 ضمن حديث طويل و رواه بألفاظ متقاربة البخاري و مسلم في صحيحهما و أبو داوود في سننه و أحمد في مسنده. (مت)

(2) رواه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة /حديث رقم 35 و النسائي في سننه كتاب تحريم الدم / باب38، و الدارمي و أحمد في مسندهما و غيرهم. (مت)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت