و نذكر هنا بعض ما جاء في كتبنا من كلماته عليه السلام عن الشيخين (رضي الله عنهما) ، ففي رسالته التي بعث بها إلى أهالي مصر مع قيس بن سعد بن عبادة واليه على مصر، كما أوردها إبراهيم بن هلال الثقفي في كتابه:"الغارات" (ج1/ص210) و السيد علي خان الشوشتري في كتابه"الدرجات الرفيعة" (ص 336) و الطبري في تاريخ الأمم و الملوك (ج3/ص550) قال: [ .. فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله عز و جل صلى الله عليه ورحمته و بركاته ثم إن المسلمين استخلفوا به أميرين صالحين عملا بالكتاب والسنة و أحسنا السيرة ولم يعدُوَا لِسُنَّتِهِ ثم توفّاهما الله عز و جل رضي الله عنهما] .
و في الخطبة 228 من نهج البلاغة قال عليه السلام عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب: [ .. فلقد قوَّم الأود و داوى العمد و أقام السنة و خلَّف الفتنة، ذهب نقيَّ الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها و سبق شرَّها، أدَّى إلى الله طاعته واتَّقاه بحقِّه.] . و جاء كذلك في الخطبة 164 من نهج البلاغة، أنه لما اجتمع الناس إليه و شكوا ما نقموه على عثمان و سألوه مخاطبته لهم و استعتابه لهم، فدخل عليه فقال: [إن الناس ورائي و قد استسفروني بينك و بينهم، و والله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئا تجهله، و لا أدلك على أمر لا تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، و لا خلونا بشيء فنبلغكه و قد رأيت كما رأينا، و سمعت كما سمعنا، و صحبت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ كما صحبنا. و ما ابن أبي قحافة و لا ابن الخطاب بأولى بعمل الحق منك ... ] فشهد لهما بأنهما عملا بالحق.
بل أكثر من ذلك، فقد جاء في نهج البلاغة أيضا (الخطبة 206) أنه لما سمع قوما له يسبون أهل الشام (من أتباع معاوية) أيام حربهم في صفين، نهاهم عن ذلك و قال: [إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، و لكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، و أبلغ في العذر، و قلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا و دماءهم و أصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله و يرعوي عن الغي و العدوان من لهج به] .
فما أبعد بعض مدعي التشيع، الذين لا يتحرجون في مجالسهم و منابرهم عن الطعن و إساءة القول بحق الخلفاء و أئمة سائر فرق المسلمين، و تكرار ما وضعته أيدي الغلاة المفرقين المثيرين للفتنة بين المسلمين من أحاديث و أخبار فيها إساءة القول و الطعن، عن سيرة و تعاليم الأئمة الهداة عليهم السلام!.
و من جملة ما خالف به مدعو محبة آلِ بيتِ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أئمتَهم عليهم السلام، نسبة عشرات الأحكام الفقهية المخالفة لسائر المسلمين إلى الأئمة عليهم السلام و رفض ما نقل عنهم في ذلك مما وافق سائر مذاهب المسلمين بحجة أنهم إنما أفتوا به من باب التقية، فحيثما وجدوا نقلين عن أئمة الآل أحدهما يوافق مذاهب السنة و آخر يخالفها أخذوا بالثاني عملا برواية كاذبة وقاعدة خاطئة تقول"خذ ما خالف العامة!"، هذا مع أنهم هم أنفسهم يعترفون بأنه: (( ... إنما شرعت التقية لحفظ الدين و المذهب، حتى أن الإمام في حالة هتك الدين و نشر البدعة، يقوم بمحاربة ذلك مقدِّما روحه في هذا الطريق .. لأن الإمام إنما وجد أصلا لحفظ الدين، فأهمية بقاء الدين أهم من بقائه. فإذا جاز لعوام الناس ارتكاب بعض المعاصي أو ترك بعض الواجبات اضطرارا من باب التقية(أي تفاديا لأذى الأعداء الذي لا يحتمل) ، لم يجز ذلك أبدا لمن هو في مقام الإفتاء و الإرشاد والمرجعية الدينية للناس لأن تقيته ستؤدي لضلال الناس و فساد عقيدتهم ... و قد جاءت روايات كثيرة في كتبنا تبين أن على العلماء و أئمة الدين أن يحاربوا البدع إذا ظهرت و يظهروا علمهم و إلا فعليهم لعنة الله ... )) [1] ?، لكنهم عند الإفتاء ينسون هذه القاعدة الذهبية و يحملون كثيرا من أقوال أئمة الآل عليهم السلام التي لا تعجبهم على أنها إنما كانت منهم من باب التقية! فلا يأخذون بها، و لا يفكرون بأن كل عاقل ـ فضلا عن أئمة آل البيت العظام ـ إنما يكفيه، في موضع الخطر والخوف، السكوت، و لا أحد يضطره للإفتاء بعشرات الفتاوى المخالفة لحكم الله تعالى ورسوله و إيقاع أتباعه بالحيرة والضلال!!
و من جملة ما خالف به كثير من المنتسبين للأئمةِ من آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أئمتَهم عليهم السلام أيضا، ابتداع شعائر و أعمال لا أصل لها في تعاليم الشرع بحجة تعظيم أئمة أهل البيت، و اعتبارهم معرفة الأئمة ومحبتهم والاعتقاد بهم كافية للنجاة، في حين أن الأئمة من آل البيت عليهم السلام لم تكن دعوتهم لأنفسهم ولا لتمجيد أشخاصهم، بل كانت دعوتهم، إحياءً لدعوة نبي الإسلام عليه وآله الصلاة و السلام في الدعوة إلى الله تعالى وتعريف الناس بعقائد الإيمان وتشريعات الدين، و أن طريق النجاة منحصر بالإيمان و التقوى و العمل الصالح لا غير.
و حاصل الكلام أننا نأمل أن يقوم طالبوا الهداية و الحق، بمطالعة هذا الكتاب القيم ليستيقظوا من غفلتهم، و لا ينخدعوا بتهويلات بعض المتاجرين بالدين الذين يسارعون إلى تكذيب و تكفير كل من يكتب أو يقول كلمة حق، ونهيب بكل من يملك القدرة، أن يساعد على طبع هذا الكتاب و نشره، لينصر بذلك دين الله، و يساهم في إصلاح ذات بين المسلمين، و إزالة أهم سبب من أسباب سوء الظن و العداوة و البغضاء فيما بينهم، تلك العداوة التي لا يعلم إلا الله كم جرت من الويلات على المسلمين و كم أشعلت بينهم من حروب و كم شغلتهم في صراعات و كتابات و تعصبات لا طائل تحتها عبر تاريخهم الطويل.
و في الختام نقول، بكلام موجز، إن كتاب الله المنزَّل المبارك، إنما نزل ليبين للإنسان طريق السعادة و الفلاح في الدنيا و الآخرة، و هو إن اكتفى في بعض فروع الدين بالإشارة، موكلا لسنة النبي العملية تفصيل ما أوجزه و بيانه، فإنه ـ و لا بد ـ بين و كرر بكل وضوح: أصول الدين و أركان الإيمان التي هي مناط الكفر أو الإيمان و عليها مدار النجاة أو الهلاك، فقال عز من قائل: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله .. } البقرة / 285، و قال أيضا: { .. و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين .. } البقرة / 177، و قال سبحانه: {و الذين آمنوا بالله و رسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم و نورهم} الحديد / 19 و قال جل شأنه: {يا أيها الذين آمنوا: آمنوا بالله و رسوله و الكتاب الذي نزَّل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل، و من يكفر بالله و ملائكته و كتبه و رسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} النساء / 136. فهذه هي أركان الإيمان التي أمرنا الله عز
(1) اقتباس من كتاب: آية الله الشيخ علي الطهراني، الصفحة 32 فما بعد، باختصار و تصرف يسير.