2ـ و الفرقة الأخرى نزلت إلى القول بإمامة أبي عبد الله جعفر بن محمد فلم يزل يأتيه على إمامته أيام حياته، غير نفر منهم يسير، فإنهم لما أشار جعفر بن محمد إلى إمامة ابنه اسماعيل ثم مات اسماعيل في حياة أبيه رجع بعضهم عن إمامته و قالوا: كذبنا جعفر و لم يكن إماما، لأن الإمام لا يكذب و لا يقول ما لا يكون، و حكوا عن جعفر أنه قال: إن الله بدا له في إمامة اسماعيل فأنكروا البداء و المشية من الله، و قالوا هذا باطل لا يجوز و مالوا إلى مقالة البترية و مقالة سليمان بن جرير.
و سليمان بن جرير هو الذي قال لأصحابه لهذا السبب: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما على كذب من أئمتهم أبدا وهما القول: بالبداء و إجازة التقية، فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون و الإخبار بما يكون في غد، فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوه، قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون؟ فنحن نعلَّم من قِبَلِ الله ما عُلِّمَتْه الأنبياء، و إن لم يكن ذلك الشيء قالوا: بدا لله في ذلك فلم يُكَوِّنه! و أما التقيّة فلما كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم في الحلال و الحرام وغير ذلك من صنوف أبواب الدين، فأجابوهم فيها و حفظ عنهم شيعتهم جواب ما سألوه و كتبوه و دونوه، و لم يحفظ أئمتهم تلك الأجوبة لتقادم العهد وتفاوت الأوقات، لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد و لا في شهر واحد بل في سنين متباعدة و شهور متباينة .. فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة، فلما وقفوا على ذلك منهم ردوا إليهم هذا الاختلاف و التخليط في جواباتهم، و سألوهم عنه و أنكروه عليهم، فقالت أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية ولنا أن نجيب بما أجبنا و كيف شئنا لأن ذلك إلينا و نحن أعلم بما يصلحنا و ما فيه بقاؤنا و بقاؤكم و كف عدونا و عدوكم عنا و عنكم [1] [2] ، فمتى يظهر من هؤلاء على كذب؟ و متى يعرف حق من باطل؟ فمال إلى سليمان بن جرير لهذا القول جماعة من أصحاب جعفر و تركوا القول بإمامة جعفر.
فلما توفي أبو عبد الله جعفر بن محمد افترقت بعده شيعته ست فرق:
1ـ ففرقة منها قالت إن جعفر بن محمد حي لم يمت و لا يموت حتى يظهر و يلي أمر الناس، و هو القائم المهدي، و زعموا أنهم رووا عنه أنه قال: إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه فإني أنا صاحبكم! و هذه الفرقة تسمى الناووسية لرئيس كان لهم من أهل البصرة يقال له فلان بن الناووس.
2ـ و فرقة زعمت أن الإمام بعد جعفر ابنه اسماعيل بن جعفر، و أنكرت موت اسماعيل في حياة أبيه، و قالوا كان ذلك على جهة التلبيس على الناس لأنه خاف فغيَّبَه عنهم، و زعموا أن اسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض و يقوم بأمر الناس، و أنه هو القائم لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده و قلدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبهم، و الإمام لا يقول إلا الحق، فلما أظهر موته علمنا أنه قد صدق و أنه القائم لم يمت، و هذه الفرقة هم الاسماعيلية الخالصة، و أم اسماعيل و عبد الله ابني جعفر فاطمة بنت الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.
3ـ و فرقة ثالثة زعمت أن الإمام بعد جعفر، محمد بن اسماعيل بن جعفر، و أمه أم ولد و قالوا أن الأمر كان لاسماعيل في حياة أبيه فلما توفي قبل أبيه جعل جعفر بن محمد الأمر لمحمد بن اسماعيل و كان الحق له، و لا يجوز غير ذلك لأنها لا تنتقل من أخ إلى أخ بعد حسن و حسين، و لا تكون إلا في الأعقاب.
أما الاسماعيلية الخالصة فهم الخطابية أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع لعنه الله، و قد دخلت منهم فرقة في فرقة محمد بن اسماعيل و أقروا بموت اسماعيل في حياة أبيه و كانت الخطابية الرؤساء منهم قتلوا مع أبي الخطاب، و كانوا قد لزموا المسجد بالكوفة و أظهروا التعبد و كانوا يدعون إلى أمرهم سرا فبلغ خبرهم عيسى بن موسى عامل أبي جعفر المنصور على الكوفة و أنهم قد أظهروا الإباحات و دعوا الناس إلى نبوّة أبي الخطاب، فبعث إليهم رجلا من أصحابه في خيل و رجالة ليأخذهم و يأتيه بهم فامتنعوا عليه وحاربوه فقتلهم جميعا و كانوا سبعين رجلا و لم يفلت منهم إلا رجل واحد هو أبو خديجة سالم بن مكرم ... و من القائلين بإمامة محمد بن اسماعيل فرقة عرفت بالقرامطة يقولون بسبعة من الأئمة: علي و الحسن و الحسين و علي بن الحسين ومحمد بن علي و جعفر بن محمد و محمد بن اسماعيل الذي هو الإمام القائم ...
4ـ و قالت الفرقة الرابعة من أصحاب جعفر بن محمد أن الإمام بعد جعفر بن محمد ابنه محمد، و أمه أم ولد يقال لها حميدة، كان هو و موسى واسحق بنو جعفر لأم واحدة، فجعل هؤلاء الإمامة في محمد بن جعفر و في ولده من بعده و هذه الفرقة تسمى السميطية نسبة لرئيس لهم كان يقال له يحيى بن أبي السميط.
5ـ و الفرقة الخامسة منهم قالت الإمامة بعد جعفر في ابنه عبد الله بن جعفر، و ذلك أنه كان عند مضي جعفر أكبر أولاده سنا و جلس مجلس أبيه بعده، و ادعى الإمامة و وصية أبيه و اعتلوا في ذلك بأخبار رويت عن جعفر وعن أبيه أنهما قالا: الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا نصب، فمال إلى عبد الله وإمامته جل من قال بإمامة أبيه و أكابر أصحابه، إلا نفر يسير عرفوا الحق، وامتحنوا عبد الله بالمسائل في الحلال و الحرام و الصلاة و الزكاة و الحج فلم يجدوا عنده علما، وهذه الفرقة القائلة بإمامة عبد الله بن جعفر هم المسمون بالفطحية، سموا بذلك لأن عبد الله كان أفطح الرأس و قال بعضهم كان أفطح الرجلين .. و مال عند موت جعفر و القول بإمامة عبد الله عامة مشايخ الشيعة و فقهاؤها ولم يشكوا إلا أن الإمامة في عبد الله و في ولده من بعده.
(1) يجدر الانتباه إلى أن الأئمة عليهم السلام نهوا، بالاتفاق، المسلمين عن قبول الأخبار التي لا تتفق مع القرآن. كما أنه من المعلوم أن كثيرا من الأخبار و الروايات المنقولة عن أئمة آل النبي (ص) مكذوبة عليهم و لم يقولوها أصلا، بل كان الغلاة يضعون على ألسنتهم ما يهوونه من آراء، كما أنه في الطرف المقابل كثيرا ما كان أولئك الغلاة ينسبون كلام الإمام للتقية إذا قال ما لا يعجبهم و لا يتفق مع أهوائهم!! ( x)