أما متن الحديث فغني عن التعليق! و نقترح أن يقدم لأساتذة الطب و الوراثة ليفصلوا فيه! فقط نتساءل: ما فائدة شهادة الخضر في هذا المقام؟ و لو كان قصد الخضر إثبات حقانية إمامة الأئمة و لزومهما على الأمة فلماذا لم يلق حديثه في جمع من الناس، بعد أن يعرفهم بنفسه، ثم يشهد بشهاداته تلك لتقوم الحجة على الناس؟ فلحن الرواية يفيد أنه لم يكن في مجلس الحديث سوى السائل والمسؤول، خاصة أنه لم يرو أحد آخر هذا الحديث! [1] [11]
على كل حال كان غرضنا من ذكر هذا الحديث و الذي قبله أن يعلم طلاب الحق أن هذا الحديث روي على لسان شخص لم يكن هو نفسه يعرف من هو الإمام بعد حضرة الهادي، و أنه لم يكن أحد من أصحاب الأئمة حتى أقرب الناس إليهم يعرفون ابتداءً لمن ستكون الإمامة بعد رحيل إمام الوقت، بل حتى الأئمة أنفسهم لم يكونوا يعرفون من الإمام بعدهم، حيث كانوا يرون في شخص ما من أبنائهم أهلية الإمامة فيعهدون له بالإمامة من بعدهم ويخبرون بذلك شيعتهم، و إذا بقدر الله و قضائه يخلف ظنهم و يموت المعهود إليه بالإمامة، في حال حياتهم، فيقولون بدا لِلَّه في اسماعيل و جعل موسى مكانه، و بدا لِلَّه في محمد بن علي و جعل الحسن بن علي العسكري مكانه، و هذا بحد ذاته حجة قاطعة على كذب و بطلان كل أحاديث النص النبوي السابق على الأئمة الاثني عشر. [2] [12]
ألف علماء المسلمين كثيرا من الكتب عن الفرق الإسلامية و الملل والنحل، و لا شك أن بعضها لم يخل من التحيز و التعصب لمذهب المؤلف والتحامل على مذاهب الخصوم كإلزامهم بما لا يقولون به أو نسبة أباطيل إليهم. لذا فنحن في هذا المقام لن نرجع إلا إلى كتابين من كتب الفرق ألفهما عالمان من علماء الشيعة الإمامية الكبار الموثقين، لننقل عنهم حرفيا ما ذكروه من انشعابات و حدوث فرق متعددة في أوساط الشيعة، ليتضح أنه لو كان ثمة نص مشهور من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في تعيين الأئمة لما وجدت كل هذه الفرق المختلفة في الشيعة.
لا نعرف، من بين علماء الشيعة القدماء، من ألف كتبا، بقيت إلى يومنا هذا، في فرق المسلمين و مللهم ونحلهم، سوى اثنين من العلماء المبرزين الكبار هما: 1 ـ سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي المتوفى سنة 301 هـ و الذي يعد من أكابر محدثي الشيعة و من مشايخ محمد بن جعفر بن قولويه في الرواية و من أصحاب حضرة الإمام الحسن العسكري، حتى أن بعض الروايات تذكر لقاءه للإمام الحسن العسكري ولابنه حضرة القائم، و إن كان هذا اللقاء يعتبر بنظر عدة من علماء الشيعة الكبار، مكذوبا و موضوعا، لكن على أي حال لا يوجد أحد يشكك في نزاهة و شخصية سعد بن عبد الله و أنه من أكابر محدثي الشيعة الإمامية وفقهائهم الموثوقين، و قد ألف لنا كتابا هاما في الفرق و النحل سماه:"المقالات و الفرق".
2 ـ و الثاني هو أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي المتوفى فيما بين سنة 300 و 310 هـ و الذي كان من أفاضل الشيعة و كبار علمائهم أيضا و من عائلة عرفت كلها بالعلم و الفضل في أوساط الشيعة، و قد ترك لنا كتابا هاما أيضا في الفرق خصصه لذكر فرق الشيعة فقط و سماه:"فرق الشيعة".
و نحن سنذكر فيما يلي خلاصة ما ذكره المؤلفان في كتابيهما المذكورين في بيان الفرق التي وجدت في الشيعة ليكون ذلك دليلا آخر على أنه لو كان هناك نص أو نصوص نبوية سابقة على ذلك النحو و الصورة التي يدعونها لما أمكن أن تنشأ كل هذه الفرق المتعددة و المختلفة بين الشيعة أنفسهم. قالا:
[افترقت الأمة عقب وفاة رسول الله (صلّىللّه عليه وآله) إلى ثلاث فرق: 1ـ فرقة منها سميت الشيعة و هم شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام و اتبعوه و لم يرجعوا إلى غيره. و منهم افترقت صنوف الشيعة كلها. 2ـ و فرقة منهم ادعت الإمرة و السلطان، و هم الأنصار و دعوا إلى عقد الأمر لسعد بن عبادة الخزرجي، 3ـ و فرقة مالت إلى بيعة أبي بكر بن أبي قحافة .. و تنازعت الفرقتان الأخيرتان ثم رجع أغلب الأنصار و من تابعهم إلى أمر أبي بكر.
(1) ذكر المصنف نقودا لمتن الحديث بين قوسين أثناء ترجمته للفارسية و قد أطال في النقود مما لا طائل كثير تحته لأنه واضح فاختصرته نقد المتن بألفاظ من عندي في هذه الفقرة القصية طلبا للاختصار. (مت)
(2) فإن قال قائل كيف لم ينتبه علماء الشيعة الكبار كالشيخ الصدوق و الشيخ الطوسي و العلامة المجلسي وأمثالهم لعيوب و علل و كذب مثل أحاديث النص هذه، بل رووها في كتبهم و أوقعوا ببركتها النزاع والشحناء و سوء الظن بين ملايين المسلمين إلى يوم القيامة حيث صارت الإمامة من أصول الدين و إنكار أحد الأئمة كفر مبين؟ فالجواب: هو أن حب الشيء يعمي و يصم، فلما كان آل محمد صلوات الله تعالى عليهم ممن ظُلِم و اضطُهِد و قُتِل و استشهد و وقع عليه من المظالم ما يفتت الأكباد، مما جعل قلوب الناس تحبهم وتهفو إليهم و تتعلق بهم، و خاصة مثل أولئك العلماء الذي كانوا، لفرط تعلقهم و محبتهم لآل محمد صلوات الله عليهم، يحرصون على إثبات مقاماتهم و إثبات مناصب إلهية لهم، و كانوا لشدة محبتهم لأئمة الآل وبغضهم لظالميهم من خلفاء بني أمية و بني العباس يتساهلون في رواية كل مايثبت لهم فضلا أو نصا من الرسول (ص) ولا يجدون في أنفسهم المجال لتمحيص و نقد مثل هذه الروايات بل يذكرون كل ما وصل إليهم، ثم جاء من بعدهم من العلماء فأخذوا عنهم رواياتهم اعتمادا على حسن ظنهم بأمثال أولئك الأعلام و لم يتصوروا أن تكون كثير من الأحايث التي رووها على هذا القدر من التناقض و التهافت و الضعف و السقوط و لا كانوا قادرين أن يصدقوا أنها من وضع عدة من الغلاة الكذبة، بل لبساطتهم و نقاوة صدورهم من الغل و الغش والخداع، صدقوا هذه الأحاديث الموضوعة و أدرجوها في كتبهم. و أكثر هذه الأحاديث وضع في القرن الهجري الثالث، عندما تحددت فرق المسلمين و أخذت شكلها المتميز و اشتد الصراع فيما بينها، و اندفع الكثيرون، من باب التعصب لمذهبهم، (كما هو الحال في عصرنا و في كل عصر) للدفاع عن عقائدهم وإثباتها بكل ما يتيسر لهم من الوسائل و الحجج سواء كانت ضعيفة أو قوية! لذا كثرت الأحاديث الموضوعة و الخرافات و المعجزات العجيبة المنسوبة للأئمة، للدفاع عن المذهب و تأييده، خاصة لما صارت المشيخة والمذهب لدى الكثيرين حانوتا للتكسب و العيش، و صار لزاما على دعاة المذهب الدفاع عن دكانهم بشتى الوسائل و لو بأشد الأحاديث وضعا، و اختراع عشرات الحجج لله بعد رسول الله (ص) مع أن الله تعالىيقول {رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} !. (برقعي)