و عقب مقتل عثمان بايع الناس عليا فسموا الجماعة، ثم افترقوا بعد ذلك فصاروا ثلاث فرق: 1ـ فرقة أقامت على ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. 2ـ و فرقة اعتزلته مع سعد بن أبي وقاص و عبد الله بن عمر و محمد بن مسلمة الأنصاري و أسامة بن زيد فامتنعوا عن محاربته و المحاربة معه. 3ـ و فرقة خالفته و قامت عليه و هم طلحة و الزبير و عائشة و أنصارهم، فقاتلهم علي عليه السلام و هزمهم، و هم أهل الجمل. و هرب منهم قوم إلى معاوية و صاروا معه في المطالبة بدم عثمان، و حاربوا عليا عليه السلام و هم أهل صفين.
ثم خرجت فرقة ممن كان مع علي عليه السلام، و خالفته بعد تحكيم الحكمين بينه و بين معاوية و أهل الشام و كفَّروا عليا و تبرؤا منه وسموا الخوارج و منهم افترقت فرق الخوارج كلها.
فلما قُتِلَ علي التقت الفرقة التي كانت معه و الفرقة التي كانت مع طلحة و الزبير و عائشة فصاروا فرقة واحدة مع معاوية بن أبي سفيان إلا القليل منهم من شيعته و من قال بإمامته بعد النبي صلى الله عليه وآله و هم السواد الأعظم و أهل الحشو و أتباع الملوك و أعوان كل من غلب، أعني الذين التقوا مع معاوية فسموا جميعا"المرجئة"لأنهم تولوا المختلفين جميعا و زعموا أن أهل القبلة كلهم مؤمنون بإقرارهم الظاهر بالإيمان و رجوا لهم جميعا المغفرة. و افترقت (المرجئة) بعد ذلك فصارت إلى أربع فرق: الجهمية و هم مرجئة أهل خراسان، و الغيلانية و هم مرجئة أهل الشام، و الماصرية و هم مرجئة أهل العراق منهم"أبو حنيفة"و نظراؤه، و"الشكاك"أو"البترية"أصحاب الحديث منهم"سفيان بن سعيد الثوري"و"شريك بن عبد الله"و"ابن أبي ليلى"و"محمد بن إدريس الشافعي"و"مالك بن أنس"و نظراؤهم من أهل الحشو و الجمهور العظيم و قد سموا (الحشوية) .
فقالت أوائلهم في الإمامة: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من الدنيا ولم يستخلف على دينه من يقوم مقامه في لم الشعث، و جمع الكلمة، و السعي في أمور الملك و الرعية، و إقامة الهدنة و تأمير الأمراء و تجييش الجيوش، و الدفع عن بيضة الإسلام، و تعليم الجاهل و إنصاف المظلوم، و جوَّزوا فعل هذا الفعل لكل إمام أقيم بعد الرسول صلى الله عليه وآله.
ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: على الناس أن يجتهدوا آراءهم في نصب الإمام و جميع حوادث الدين و الدنيا إلى اجتهاد الرأي، و قال بعضهم: الرأي باطل و لكن الله عز و جل أمر الخلق أن يختاروا الإمام بعقولهم.
و شذت طائفة من المعتزلة عن قول أسلافها فزعمت أن النبي صلى الله عليه وآله نص علىى صفة الإمام و نعته و لم ينص على اسمه و نسبه، و هذا قول أحدثوه قريبا.
و كذلك قالت جماعة من أهل الحديث هربت حين عضَّها حِجَاج الإمامية و لجأت إلى أن النبي صلى الله عليه وآله نص على أبي بكر بأمره إياه بالصلوة، و تركت مذهب أسلافها في أن المسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله قالوا: رضينا لدنيانا بإمام رضيه رسول الله صلى الله عليه وآله لديننا.
و اختلف أهل الإهمال (أي القائلون أن الرسول لم يستخلف أحدا) في إمامة الفاضل و المفضول، إذا كانت في الفاضل علة تمنع إمامته، و وافق سائرهم أصحاب النص على أن الإمامة لا تكون إلا للفاضل المتقدم.
ثم اختلفوا جميعا في القول بالإمامة و أهلها فقالت (البترية) و هم أصحاب (الحسن بن صالح بن حي) و من قال بقوله أن عليا عليه السلام هو أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله و أولاهم بالإمامة، و أن بيعة أبي بكر ليست بخطأ، و وقفوا في عثمان و ثبتوا حزب علي عليه السلام، و شهدو اعلى مخالفيه بالنار، و اعتلُّوا بأن عليا عليه السلام سلم لهما ذلك فهو بمنزلة رجل كان له على رجل حق فتركه له.
و قال"سليمان بن جرير الرقي"و من قال بقوله أن عليا عليه السلام كان الإمام و أن بيعة أبي بكر و عمر كانت خطأً و لا يستحقان اسم الفسق عليها من قبل التأويل لأنهما تأولا فأخطآ، و تبرؤا من عثمان فشهدوا عليه بالكفر ومحارب علي عليه السلام عندهم كافر.
و قال"ابن التمار"و من قال بقوله: إن عليا عليه السلام كان مستحقا للإمامة و إنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، و إن الأمة ليست بمخطئة خطأ إثم في توليتها أبا بكر و عمر و لكنها مخطئة بتركة الأفضل، و تبرؤا من عثمان و من محارب علي عليه السلام و شهدوا عليه بالكفر.
و قال (الفضل الرقاشي) و (أبو شمر) و (غيلان بن مروان) و (جهم بن صفوان) و من قال بقولهم من المرجئة: إن الإمامة يستحقها كل من قام بها إذا كان عالما بالكتاب و السنة و أنه لا تثبت الإمامة إلا بإجماع الأمة كلها.
و قال أبو حنيفة و سائر المرجئة: لا تصلح الإمامة إلا في قريش، كل من دعا منها إلى الكتاب و السنة و العمل بالعدل وجبت إمامته و وجب الخروج معه و ذلك للخبر الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الأئمة من قريش.
و قالت الخوارج كلها إلا النجدية منهم: الإمامة تصلح في أفناء الناس، كل من كان منهم قائما بالكتاب و السنة عالما بهما، و إن الإمامة تثبت بعقد رجلين.
و قالت النجدية من الخوارج: الأمة غير محتاجة إلى إمام و لا غيره، وإنما علينا و على الناس أن نقيم كتاب الله عزوجل فيما بيننا.
و قالت المعتزلة: إن الإمامة يستحقها كل من كان قائما بالكتاب والسنة، فإذا اجتمع قرشي و نبطي و هما قائمان بالكتاب و السنة، و لينا القرشي، والإمامة لا تكون إلا بإجماع الأمة و اختيار و نظر.
و قال"ضرار بن عمرو": إذا اجتمع قرشي و نبطي ولينا النبطي وتركنا القرشي، لأنه أقل عشيرة و أقل عددا، فإذا عصى الله و أردنا خلعه كانت شوكته أهون، و إنما قلت ذلك نظرا للإسلام.