فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 94

السيرة الشريفة لذلك الإمام، بنفسها، أوضح دليل على وجوب ملازمة الجماعة و اجتناب الفرقة، حيث أنه عليه السلام رغم كل الحوادث المؤلمة والآلام التي تحملها بقي دائما ملازما لجماعة المسلمين.

أهم و أعظم علة لتفرق و انشقاق المسلمين و سبب وقوع العداوة والخصومة فيما بينهم مسألة خلافة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . لقد نشأت بذور هذا الاختلاف في صدر الإسلام في الأيام الأولى التي تلت رحلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و نمى و قوي بواسطة جهل المسلمين و تعصبهم وتحريك أعداء الإسلام، إلى أن اشتدَّ في القرون التالية قرنا بعد قرن حتى جعل المسلمين أعداء ألداء في مقابل بعضهم البعض و أدى إلى مشاهد مشينة من الحرب و الجدال و الخصام و الاقتتال سودت صحائف التاريخ بالعار إلى الحد الذي أصبحت فيه فرق المسلمين أقدر على الاختلاط و العشرة مع اليهود و النصارى منها على التعايش مع بعضها البعض مع أنهم بنص كتابهم السماوي إخوة متساوون.

و رغم أن غبارا غليظا مغطيا للحقيقة أوجدته قرون من الجدال والاقتتال، أصبح مانعا كبيرا و صعبا يحول دون إظهار وجه الحقيقة كما ينبغي و تعرُّف كل فرقة على الأخرى و إعادة المياه إلى مجاريها فيما بينهم، لكننا بعون الله سنقوم بمحاولتنا و سعينا في هذا الطريق مستخدمين كل ما أتيح لنا من طاقة مادية ومعنوية، عسى أن ننير بفضل الله سراجا نيرا في هذا الطريق المظلم الضيق، ونطلع إخواننا المؤمنين، الذين يطلبون الحق ويبحثون عن الحقيقة إلى ما هدانا الله إليه بفضله و رحمته، عسى أن يعودوا لأنفسهم بعد هذا الزمن الطويل و بعد اطلاعهم على حيل و سياسة الأعداء وتذوقهم لمرارة كل تلك البلايا و المصائب التي حلت بهم نتيجة تلك الاختلافات، فيسيروا إلى الأمام نحو العزة و السعادة و الشوكة والسيادة ويستعيدوا وحدتهم فيكونوا مصداقا للآية الكريمة: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} . أما لو لم تؤثر فيهم ـ لا سمح الله ـ صخب السيول الجرارة لكل حوادث التاريخ هذه و لا الأمواج المهلكة لكل أعاصير القرون و الأعصار هذه، و ما تحويه من صفير الإنذار و التحذيرات الصريحة، بل استمرت التعصبات الجاهلية و التفرقة القومية و العنصرية التي تغذيها الأهواء ووساوس الشيطان ودسائس الأعداء الماكرين تعمل عملها في إضلالهم، فإننا سنكون معذورين لدى ربنا سبحانه و تعالى بكتابة هذا الكتاب ومأجورين إن شاء الله على سعينا لهذا الهدف و ما سنلقاه من آلام نتيجة الاتهامات والسب و البهتان و الافتراء بحقنا {و إذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا؟ قالوا: معذرة إلى ربكم و لعلهم يتقون} الأعراف / 164.

المادة الأصلية و الأساسية لاختلاف الأمة الإسلامية هو مسألة الخلافة والإمامة، و من هذه المسألة تشعَّبت سائر الاختلافات الأخرى، وقد أخذت مسألة الإمامة، بمعنى الحكومة و زمام الأمور، و التي محركها الأصلي لدى أغلب الأفراد ليس إلا حب المقام و حب الرئاسة، في هذه الأمة، شكلا وصورة قلما يوجد لها نظير في الشعوب و الأمم السابقة!

كمقدمة ينبغي القول بأن حب العلو و الرئاسة أمر فطري في كل نفس، وكل إنسان يطلب بغريزته التفوق على أقرانه، و إذا تمت هداية هذه الغريزة بشكل صحيح، أمكن أن نستخرج منها أفضل النتائج، و ذلك أنه من لوازم وجود و حياة المجتمع البشري أنه لا يمكن لأي شعب أو أمة أن تستمر في حياتها المدنية دون امتلاك حكومة و نظام اجتماعي، و ليس هذا لدى الإنسان فقط، بل إن كثيرا من الحيوانات شعرت بهذا الأمر و أوجدت في حياتها نظاما و تشكيلات اجتماعية، كما نجد ذلك واضحا في عالم النمل والنحل والحشرات الآكلة للخشب (النمل الأبيض) و عديد من الطيور والحيوانات الأخرى. و لا شك أن دين الإسلام الذي يحتوي على أفضل القوانين الاجتماعية التي تضمن السعادة الدينية و الدنيوية لأتباعه، لم يبق هذه المسألة مسكوتا عنها و لا مجهولة، بل بين الوظائف و الأحكام والأوامر والقواعد في هذا الشأن بشكل إجمالي. و قد أوضحنا ذلك في كتابنا"الحكومة في الإسلام"الذي طبع في مجلدين فيمكن للراغبين الرجوع إليه لمعرفة هذه الحقيقة.

أما الذي يمكن قوله هنا فهو أنه من المحتم و اليقيني أن سيدنا خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله وسلم) أتى في شريعته الإسلامية المتقنة بمقررات و أحكام وإرشادات تتعلق بمسألة الحكومة وزمام الأمور، ذلك أن دين الإسلام الذي زيَّنَهُ الله سبحانه بوسام و وشاح قوله المقدس: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا} لا يمكن أن يكون خاليا من مسائل وأحكام تتعلق بالحكومة والقيادة التي هي من ألزم لوازم الحياة البشرية، بل إن هذا الأمر، كما سيأتي بيانه في محله، هو من أهم أهداف وأقدس أحكام الإسلام.

أما الزوائد و الحواشي الناشئة، بلا شك، من أغراض و أمراض عدة من الأعداء المغرضين أو الأصدقاء الجاهلين فلا سبيل لها على الأحكام السماوية والقوانين الإلهية الواضحة البينة. و سنبين، بمشيئة الله تعالى، كيف أن هذه الزوائد و الأهواء المبتدعة قد بدَّلت الصورة الناصعة للأحكام الإلهية المتعلقة بالحكم و الحكومة و حوَّلتها لصورة بشعة مكروهة ينفر منها العقلاء و ينزجر منها الأحباء.

إن الذي يعيننا على معرفة و درك حقيقة تعاليم الإسلام السامية حول هذه القضية هو دراسة قضية سقيفة بني ساعدة التي وقعت بعد ساعات من انتقال روح رسول الله المقدسة (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الملأ الأعلى، فإذا تتبعنا ودرسنا ملابسات هذه الواقعة، بدقة مشبعة بطلب الوصول للحقيقة، سندرك، لا محالة، كثيرا من القضايا المهمة، و ستظهر الحقيقة لطالبها المخلص رغم كل ما أحاط بها من أغشية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت