فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 94

1 ـ قال الله I: { و مِنَ الأعراب من يؤمن بالله و اليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله و صلوات الرسول ألا إنها قربة لهم، سيدخلهم الله في رحمته، إن الله غفور رحيم @ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} التوبة / 99 ـ 100.

يقول الشيخ الطوسي عند تفسيره لهذه الآية في تفسيره"التبيان": [أخبر الله تعالى أن الذين سبقوا أولا إلى الإيمان بالله و رسوله و الإقرار بهما من الذين هاجروا من مكة إلى المدينة و إلى الحبشة و من الأنصار الذين سبقوا أولا غيرهم إلى الإسلام من نظرائهم من أهل المدينة و الذين تبعوا هؤلاء بأفعال الخير والدخول في الإسلام بعدهم و سلوكهم منهاجهم ... ] [1] [1] . قلت: أيُّ مؤمنٍ بالقرآن يمكنه ـ بعد أن يرى هذه الآيات الطافحة بالبشارة بالرحمة والرضوان والوعد بالجنة و الفوز العظيم للمهاجرين و الأنصار، الذين هم أنفسهم المؤسسون الأصليون لبيعة أبي بكر t في السقيفة ـ أن يصدق مثل ذلك الحديث الكفر المثير للفتنة القائل: [ارتد الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثة!] ؟

الآن لنرَ بعض أولئك المهاجرين الذين كانوا في بيعة السقيفة وبايعوا أبا بكر t و بقوا أوفياء لبيعتهم، ممن مدحهم الله تعالى في هذه الآيات: فأحدهم"عمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب"t من بني سعد، كان من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة، و كانت هجرتهم أول هجرة في الإسلام، واستشهد في معركة القادسية في خلافة عمر t مجتهدا في سبيل الله تحت إمرة سعد بن أبي وقَّاص t [2] [2] ، و منهم"هبَّار بن أبي سفيان بن عبد الأسد بن مخزوم"t و قد استشهد (على أصح الأقوال) في معركة أجنادين في الشام في خلافة أبي بكر t [3] [3] ، و منهم أخو هبار الأخير"عبد الله بن سفيان"t الذي استشهد في الشام في معركة اليرموك في خلافة عمر t [4] [4] ، و غيرهم الكثير ممن لا يتسع المجال هنا لشرح حالهم.

2 ـ و يقول سبحانه: {الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل الله بأموالهم و أنفسهم أعظم درجة عند الله و أولئك هم الفائزون. يبشرهم ربهم برحمة منهم و رضوان و جنات لهم فيها نعيم مقيم. خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم} التوبة /20 ـ 22. أهؤلاء ارتدوا بعد رسول الله؟! ولكي نعرف من هؤلاء الموعودون بهذا الثواب العظيم نأتي بآيات أخرى تضمنت نفس العبارات و الألفاظ:

3 ـ يقول رب العالمين: {إن الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله و الذين آووا و نصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} الأنفال / 72. فهؤلاء الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا، هل هم إلا المهاجرون إلى الحبشة ثم إلى المدينة ثم المجاهدون مع رسول الله؟ و كذلك الذين آووا و نصروا، هل هم إلا أهل المدينة؟ أي أنهم نفس مؤسسي بيعة السقيفة. فهل هؤلاء ارتدوا على أعقابهم كفارا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فعادوا للكفر و الشرك؟! لنسمع إجابة سورة الأنفال هذه نفسها على افتراء أولئك المفترين و أعداء الإسلام و المسلمين، حيث يقول سبحانه: {و الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل الله و الذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقًَّا لهم مغفرة و رزق كريم} الأنفال / 74. الله الخالق، الذي يعلم الظاهر و الباطن، يقول"أولئك هم المؤمنون حقًا"و لكن كاتبي"الاحتجاج"و"البرهان" (أي الطبرسي والبحراني [5] [5] ) يملآن كتابيهما بروايات الغلاة عديمي الإيمان التي تقول: أولئك ارتدوا بعد رسول الله إلا ثلاثة! و من القدر أن اثنين من أولئك الثلاثة لا تشملهم الآية الكريمة من ناحية الهجرة و الجهاد بالمال و إيواء المهاجرين! لأن سلمان وأبا ذر لم يكونا لا من المهاجرين و لا من الأنصار، فلا هم من الذين أُخْرِجوا من ديارهم و أُجبِروا تحت ضغط العذاب و الفتنة في الدين على ترك أهلهم وديارهم و وطنهم، و لا هم من الذين أنفقوا أموالهم في سبيل الله، لأنهم كانوا فقراء، و لا هم من أهل المدينة الذين آووا و نصروا المهاجرين، و هذا أمر لا يخفى على من له معرفة بتاريخ الإسلام و سيرة أولئك الكرام، إذ لكل منهم تاريخ معروف و سيرة واضحة يُعْلَم منها أنهم لم يكونوا من المهاجرين و لا من الأنصار [6] [6] ، و إليكم نبذة من سيرتهم:

1 ـ أما سلمان الفارسي رضي الله عنه فكان من أهل أصفهان و ترك وطنه وابتعد عن أهله بحثا عن الدين الحق، و لم يكن عند ذاك متنعِّما و لا متشرِّفا بنعمة الإسلام، لذلك لا يصح اعتباره مصداقا لقوله تعالى:"الذين آمنوا و هاجروا"، ثم سكن آخر الأمر في المدينة حيث صار عبدا لامرأة أو رجل يهودي، ثم اشتراه نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) في السنة الثالثة أو الرابعة للهجرة بعد غزوة أحد وأعتقه [7] [7] . لذا فإنه t ليس فقط لم يكن مصداقا

(1) التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي: ج 1/ ص 854 (الطبعةالحجرية، طهران، 1365 هـ.)

(2) أنظر سيرة ابن هشام: ج 1/ ص 326 و الإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر العسقلاني: ج 3/ ص 7 (القاهرة 1328 هـ.) و الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر القرطبي: ج 2/ ص 498 (مت)

(3) أنظر سيرة ابن هشام: ج 1/ ص 327.،و الإصابة: ج 3 / ص 599 و الاستيعاب: ج 3/ 609 (مت)

(4) الإصابة في تمييز الصحابة: ج 2/ ص 317.

(5) البحراني: هو السيد هاشم الحسيني البحراني، عالم إمامي أخباري النزعة له تفسير بالمأثور سماه: البرهان في تفسير القرآن، توفي سنة 1107 أو 1109 هـ. (مت)

(6) و لكن ينطبق عليهم قوله تعالى"و الذين اتبعوهم بإحسان"و بالتالي فهم مشمولون بقوله"رضي الله عنهم و رضوا عنه و أعد لهم جنات .... الآية"

(7) أنظر تفصيل قصة إسلام سلمان رضي الله عنه في سيرة ابن هشام: ج1 / ص 214. (مت)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت