آيات القرآن ولحكم الوجدان و لاتفاق أهل الإيمان، و لا يمكن لمن يؤمن بالله و رسوله و يعتقد أن القرآن منزَّل من عند الله أن يلتفت لمثل هذه الأحاديث حتى و لو كان راويها بصدق أبي ذر و سلمان، بل يجب عليه أن يكذِّب و يعارض و يعادي هذه الأحاديث بكل ما أوتي من قوة و استطاعة، و أن يعتبر واضعها والمعتقد بمضمونها كافرا و عدوا لله و رسوله؛ ذلك أن رب العالمين، مدح وأثنى على مسلمي الصدر الأول، أعني أصحاب النبي المختار الذين يشكل المهاجرون و الأنصار أعلامهم و زبدتهم، في أكثر من خمسين آية من آيات القرآن، كما أن سيرة و حياة أولئك الكرام تدل على أن عامتهم إنما دخلوا في الإسلام عن إيمان قلبي ورغبة صادقة، و قدموا في سبيل نصرته أكبر التضحيات إلى حد بذل الروح و ترك الديار و العشيرة و الأقرباء و الهجرة و البعد عن الوطن و اللجوء لبلدان مخالفة لدينهم كما لجأ المهاجرون إلى الحبشة التي كانت بلدا نصرانيا مخالفا للإسلام ظاهرا، و كم من المصاعب و المشقات تحملوا في سبيل إيمانهم و عقيدتهم وإسلامهم مما سيأتي شرحه، بعون الله، على صفحات هذا الكتاب إن شاء الله.
فأي مؤمن بالله و رسوله، بل أي عاقل وجداني منصف، حتى لو لم يكن مسلما، يمكنه أن يصدِّق أن مثل أولئك الرجال المؤمنين الأبطال، لا يهتمُّون بعد رسول الله بنصوص الله و لا بتعيينات رسول الله، بل يغصبون حق عليٍّ القطعي و المعين المنصوص عليه، و يعطونه لأبي بكر، لا لأجل شيء أبدا سوى لسواد عيني أبي بكر (!) ، الذي لم يكن يملك آنذاك أي قوة مادية أو سلطان قبائلي أو قوة عشائرية أو ارتباط (و دعم) من دولة أجنبية! ذلك أنه لو فرضنا أنه كان لأبي بكر رضي الله عنه مصلحة في القضية، فلم يكن لصحابة رسول الله الكرام من الأنصار و المهاجرين أي فائدة أو مصلحة في الأمر.
أما ما يدَّعيه بعض المغرضين و يصدِّقه بعض عديمي الاطلاع بأن عليا لما كان قد قتل عددا كبيرا من أعداء الإسلام حتى كانوا يسمُّونه (قتَّال العرب) ولم يكن بيت من بيوت العرب لم يصب بأحد أفراده على يد ذلك الجناب، لهذا السبب عملت الأحقاد التي كانت في الصدور عملها و جعلتهم يغمضون أعينهم عن كل نصوص الله و نصوص رسول الله تلك، مما أدى لغصب حق عليٍّ! فيجب القول بأن هذا الادعاء كاذب تماما و ينبئ عن إغراض صاحبه أو جهله، لأن عليا عليه السلام إذا كان قد قتل كثيرا من المشركين فإن أيا ممن قتلهم لم يكن من ذوي المهاجرين و الأنصار الذين كانوا هم المؤسسسون لبيعة أبي بكر رضي الله عنه، وحتى لو فرضنا أن بعض المهاجرين كان لهم أقرباء قَتَلَهم عليّ ـ مع أننا لا نعلم أحدا كذلك ـ فإنه من المحال أن يحقد المؤمنون المهاجرون ـ الذين كانوا هم أنفسهم يقتلون آباءهم و إخوانهم بأيديهم في سبيل رضى الله و لبقاء الإسلام ـ على عليٍّ لقتله بعض قرابتهم من المشركين!
نعم كان علي قد قتل من كفار قريش بعضا ممن التحق أقرباؤهم بالنهاية بالمسلمين، و مثل هؤلاء يحتمل أن يكون قد بقي في صدورهم حقد تجاه ذلك الجناب، و من أعلام هؤلاء أبو سفيان الذي قتل علي أبا زوجته وأخاها؛ لكن مثل هؤلاء لم يكن لهم حق و لا دور في انتخاب الخليفة لأن ذلك الحق كان خاصا بالمهاجرين و الأنصار و مجاهدي بدر و أحد و ما كان لأولئك الطلقاء أن يدخلوا في صفوفهم، هذا بالإضافة إلى أن أبا سفيان كان على العكس، من الذين عارضوا بيعة أبي بكر و تحزبوا ـ حسب الظاهر ـ لعلي!
إذن، الادعاء بأن المهاجرين و الأنصار، الذين كانوا المؤسسين للبيعة لأبي بكر، قد أنكروا نصا إلهيا على علي عليه السلام، و لم يذكروا اسمه في هذه القضية عمدا و ارتدوا بذلك بعد رسول الله إلا ثلاثة نفر ـ (مع أن اثنين من أولئك الثلاثة ليسا لا من المهاجرين و لا من الأنصار) ـ ادعاء مناقض لصريح آيات القرآن، ولا أعتقد أن أي مؤمن يسمح لنفسه بمعاندة القرآن و مخالفته.