كما أن هناك في أصول الكافي حديث آخر عن نفس عبد الله بن جعفر بن إبراهيم الجعفري هذا، يذكر فيه أن يحيى بن عبد الله بن الحسن، الذي قام بأمر الإمامة بعد شهادة أخيه محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) ، كتب رسالة إلى موسى بن جعفر عليه السلام قال فيها: [أما بعد فإني أوصي نفسي بتقوى الله وبها أوصيك، فإنها وصية الله في الأولين و وصيته في الآخرين، خَبَّرَني من ورد عليَّ من أعوان الله على دينه و نشر طاعته بما كان من تحنُّنِك مع خذلانك، و قد شاورتُك في الدعوة للرضا من آل محمد و قد احتَجَبْتَها واحتَجَبَهَا أبوك من قبلك، و قديما ادعيتم ما ليس لكم و بسطتم آمالكم إلى ما لم يعطكم الله فاستهويتم و أضللتم وأنا محذِّرك، حذرك الله من نفسه الحديث .. ] [1] . فنلاحظ في هذا الحديث أن يحيى بن عبد الله ينكر أي نص على الأئمة، و ليس هذا فحسب بل يقول للكاظم أنه ادعى هو و أبوه من قبل (أي الصادق) الإمامة مع عدم استحقاقهم لها و أنهما طمحا إلى ما لم يعطهما الله!
هذا و يدعي القائلون بالنص أن قيام هؤلاء السادة العلويين الأجلاء لم يكن للدعوة لإمامة أنفسهم بل للدعوة للرضا من آل محمد و هو إمام الوقت من الأئمة الاثني عشر، وهذا الادعاء لا صحة، نعم هم دعوا لإمامة الرضا من آل محمد أي لمن يرتضيه الناس للإمامة من آل محمد، و هو ليس شخصا مجهولا بل هو نفس القائم لا غيره، كما يظهر جليا في نفس تلك الرسالة المشار إليها، حيث يقول يحيى بن عبد الله للكاظم: [و قد شاورتك في الدعوة لرضا من آل محمد و قد احتَجَبْتَها و احتَجَبَهَا أبوك من قبلك] أي رفضتها كما رفضها أبوك من قبلك، فيا ترى لو كانت الدعوة لإمامة الكاظم أو الصادق نفسهما فكيف يرفضونها و هل كانا يرفضان إمامة أنفسهما؟ ثم كيف يجتمع الادعاء بأن القائمين من العترة كانوا يدعون لإمام الوقت من الأئمة الاثني عشر مع قول يحيى بن عبدالله للكاظم في رسالته: [و قديما ادعيتم ما ليس لكم و بسطتم آمالكم إلى ما لم يعطكم الله .. !] ، بل لننظر بما أجاب الكاظم على رسالة يحي، قال له: [ .. أتاني كتابك تذكر فيه أني مدع و أبي من قبل و ما سمعتَ ذلك مني وستكتب شهادتهم و يُسألون!] [2] [11] .
و أيا كان الأمر فالذي نستنتجه من هذه الروايات و أمثالها أنه لم يكن في وسط أهل بيت الرسول و آل علي شيء اسمه أحاديث النص على أئمة بأعيانهم، و إلا لما ادعى أمثال زيد بن علي بن الحسين و محمد بن عبد الله و يحيى بن عبد الله و الحسين بن علي بن الحسن و عشرات من أئمة العترة الأجلاء الآخرين الإمامة، إلى حد أن يُبَايَع محمد بن جعفر الصادق، في وقت من الأوقات في مكة المكرمة، بالخلافة و إمارة المؤمنين حتى يقول الأصفهاني في مقاتل الطالبيين: [ظهر محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة و دعا إلى نفسه و بايع له أهل المدينة بإمرة المؤمنين و ما بايعوا عليها بعد الحسين بن علي (شهيد فخ) أحدا سوى محمد بن جعفر بن محمد!] [3] [12] و وقعت بينه وبين هارون الرشيد معارك ثم أرسل له حضرة"علي بن موسى الرضا"ليقنعه بالعدول عن إمارته و إطفاء نار الحرب، لكن"محمد بن جعفر"رفض وساطة الرضا و ثبت بكل بسالة على موقفه حتى وافته الشهادة.
و كذلك مشاركة حضرة موسى بن جعفر ـ أي أحد الأئمة المدعى أنه منصوص عليه من الله تعالى ورسوله ـ مع أخيه"محمد بن جعفر"بأمر من أبيهما"جعفر الصادق"، في جهاد وثورة الإمام محمد بن عبد الله النفس الزكية (رحمه الله) الذي قام لنيل منصب الخلافة، و الذي سبقت الإشارة إليه [4] [13] . فهل يجوز لإمام منصوص عليه من الله، أن يقوم بنصرة و تأييد شخص آخر يدعي الإمامة والخلافة بلا حق و بنحو غير مشروع؟!
أفلا تدل كل هذه الحوادث و ادعاءات الإمامة من أبناء علي وتأييد بعض الأئمة الاثني عشر لهم في ثوراتهم أو علىلأقل سكوتهم عن إعلان أحاديث النص، على أن أحاديث النص تلك مكذوبة موضوعة لا أساس لها؟ هذا عدا عن الحال المتهافت لأسانيدها ومتنها مما سبق بيانه.
سبق و بينا أنه في كل تاريخ الإسلام بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يدع أي أحد من الأئمة الاثني عشر، أمام الناس و على رؤوس الأشهاد، أنه إمام حاكم منصوص عليه من جانب الله تعالى بنص من الرسول (صلوات الله عليه وآله) . و قلنا أنهم لو كانوا حقا أئمة منصوصا عليهم، نصبهم الله تعالى لهذا المقام، لوجب على كل منهم أن يصرح بذلك في كل مناسبة إن لم يكن أمام جميع الناس فعلى الأقل أمام و لو عشرة أفراد من شيعتهم و أحبابهم الأوفياء الموثوقين، ليؤدوا رسالة الله و يبلغوا حكمه من جهة، و من الجهة الأخرى لأن مثل هذا التصريح أمام المحبين المخلصين لن يشكل أي خطر على الأئمة من قبل حكام العصر، لا سيما في الفترة التي ضعف فيها نفوذ الأمويين و بدأ سلطانهم يتجه نحو الزوال. خاصة و أنه حسب ادعاء القائلين بالنص، الذين جعلوا مسألة الإمامة أصلا من أصول الدين و أسسه و أولوها كل ذلك المقدار من الأهمية في العقيدة والإسلام بحيث من جهل و لو واحدا من الأئمة لم ينفعه شيء من العمل بل كان في الضلال البعيد و الهلاك الأبدي و استحق الخلود في النار، لا بد من إقامة الحجة و بيان الأمر على أتم وجه مهما تعرض الإمام لاحتمال الضرر و الخطر. و عليه فأول من يقع عليهم الإثم في القصور و التقصير في بيان هذا الأمر هو الأئمة أنفسهم ـ لو كان هناك نص حقا ينبغي بيانه! ـ الذين امتنعوا عن بيان الحقيقة بالشكل السافر الذي تقوم به
(1) المصدر السابق: نفس الكتاب و الباب: الحديث 19 في: ج1 / ص 366 ـ 367. (مت)
(2) تتمة نفس الحديث السابق. (مت)
(3) مقاتل الطالبيين: ص 537. (مت)
(4) ارجع إلى صفحة 220 ـ 221 من هذا الكتاب.