فلما مات عبد الله و لم يخلف ذكرا ارتاب القوم و اضطربوا و أنكروا ذلك فرجع عامة الفطحية، إلا القليل منهم، عن القول بإمامة عبد الله إلى القول بإمامة أخيه موسى بن جعفر. و شذت منهم فرقة بعد وفاة موسى بن جعفر فادعت أن لعبد الله (الأفطح) ابنا ولد له من جارية يقال له محمد، و أنه تحول بعد موت أبيه إلى خراسان فهو مقيم بها و أنه حي إلى اليوم و أنه الإمام بعد أبيه و هو القائم المنتظر.
6ـ و قالت الفرقة السادسة أن الإمام موسى بن جعفر بعد أبيه و أنكروا إمامة عبد الله و خطَّؤوه في جلوسه مجلس أبيه و ادعائه الإمامة، و كان فيهم من وجوه أصحاب جعفر بن محمد مثل: هشام بن سالم الجواليقي، و عبد الله بن أبي يعفور، و عمر بن يزيد بياع السابري، و محمد بن النعمان أبي جعفر الأحول مؤمن الطاق، و عبيد بن زرارة بن أعين، و جميل بن دراج، و أبان بن تغلب، وهشام بن الحكم، و غيرهم من وجوه شيعته و أهل العلم منهم و الفقه و النظر، و هم الذين قالوا بإمامة موسى بن جعفر عند وفاة أبيه، إلى أن رجع إليهم عامة أصحاب جعفر عند وفاة عبد الله، فاجتمعوا جميعا على إمامة موسى، إلا نفرا منهم فإنهم ثبتوا على إمامة عبد الله، ثم إمامة موسى بعده و أجازوها في أخوين بعد أن لم يجز ذلك عندهم إلى أن مضى جعفر فيهم، مثل عبد الله بن بكير بن أعين، و عمار بن موسى الساباطي، و جماعة معهم، ثم إن جماعة من المؤتمّين بموسى بن جعفر اختلفوا في أمره و شكوا في إمامته عند حبسه في المرة الثانية التي مات فيها في حبس هارون الرشيد، فصاروا خمس فرق:
1ـ فرقة منها زعمت أنه مات في حبس هارون، و كان محبوسا عند السندي بن شاهك، و إن يحيى بن خالد البرمكي سمه في رطب و عنب بعثه إليه فقتله، و أن الإمام بعد أبيه علي بن موسى الرضا، فسميت هذه الفرقة القطعية لأنها قطعت على وفاة موسى و إمامة علي بن موسى و لم تشك في أمرها و لا ارتابت، و أقرت بموت موسى و أنه أوصى إلى ابنه علي أشار إلى إمامته قبل حبسه و مرت على المنهاج الأول.
2ـ و قالت الفرقة الثانية أن موسى بن جعفر لم يمت، و أنه حي لا يموت حتى يملك شرق الأرض و غربها و يملأها كلها عدلا كما ملئت جورا و أنه القائم المهدي، و زعموا أنه لما خاف على نفسه القتل خرج من الحبس نهارا و لم يره أحد و لم يعلم به، و أن السلطان و أصحابه ادعوا موته و موّهوا على الناس ولبّسوا عليهم برجل مات في الحبس فأخرجوه و دفنوه في مقابر قريش، في القبر الذي يدعى أنه قبر موسى بن جعفر، و كذبوا في ذلك، إنما غاب عن الناس واختفى. و رووا في ذلك روايات عن أبيه جعفر: أنه قال:"هو القائم المهدي فإن يدَهدَه رأسه من جبل فلا تصدقوا فإنه صاحبكم القائم".
3ـ و قالت فرقة أنه القائم و قد مات فلا تكون الإمامة لأحد من ولده ولا لغيرهم حتى يرجع فيقوم و يظهر، و زعموا أنه قد رجع بعد موته إلا إنه مختف في موضع من المواضع يعرفونه يأمر و ينهى و أن من يوثَّق من أصحابه يَلقونَه و يَرونه.
4ـ و قالت فرقة منهم لا يُدْرَى أحي هو أم ميت؟ لأنا قد روينا فيه أخبارا كثيرة تدل على أنه القائم المهدي فلا يجوز تكذيبها، و قد ورد علينا من خبر وفاته مثل الذي ورد علينا من خبر وفاة أبيه و جده و الماضين من آبائه في معنى صحة الخبر، فهو أيضا مما لا يجوز رده و إنكاره .. فوقفنا عند ذلك على إطلاق موته و عن الإقرار بحياته، و نحن مقيمون على إمامته لا نتجاوزها إلى غيره حتى يصح لنا أمره ..
5ـ و فرقة منهم يقال لها الهسموية أصحاب محمد بن بشير مولى بني أسد من أهل الكوفة، قالت إن موسى بن جعفر لم يمت و لم يحبس، و أنه غاب واستتر، و هو القائم المهدي، و أنه في وقت غيبته استخلف على الأمة محمد بن بشير و جعله وصيه و أعطاه خاتمه و علمه جميع ما يحتاج إليه رعيته ... فهو الإمام، و زعموا أن علي بن موسى و كل من ادعى الإمامة من ولده و ولد موسى بن جعفر فمبطلين كاذبين، غير طيبي الولادة و نفوهم عن أنسابهم، وكفروهم لدعواهم الإمامة و كفروا القائلين بإمامتهم ... و قالوا بإباحة المحارم وبالتناسخ و مذاهبهم في التفويض مذاهب الغلاة المفرطة .... و عرفوا أيضا بالواقفة.
(فرق الشيعة بعد وفاة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام)
ثم إن أصحاب علي بن موسى الرضا اختلفوا بعد وفاته فصاروا خمس فرق:
1ـ فرقة قالت الإمام بعد علي بن موسى ابنه محمد بن علي و لم يكن له غيره، و كان متزوجا من ابنة المأمون، و اتبعوا الوصية و المنهاج الأول من لدن النبي صلى الله عليه وآله.
2ـ و فرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى بن جعفر، قطعوا عليه و ادعوا أن الرضا أوصى إليه و إلى الرضا، و أجازوها في أخوين و مالوا في مذاهبهم إلى شبيه بمذاهب الفطحية أصحاب عبد الله بن جعفر.
3ـ و فرقة تسمى المؤلفة من الشيعة قد كانوا نصروا الحق و قطعوا على إمامة علي بن موسى بعد وقوفهم على موسى و إنكار موته فصدقوا بموته و قالوا بإمامة الرضا. فلما توفي رجعوا إلى القول بالوقف على موسى بن جعفر.
4ـ و فرقة تسمى المحدثة كانوا من أهل الإرجاء و أصحاب الحديث من العامة، فدخلوا في القول بإمامة موسى بن جعفر، و بعده لعلي بن موسى وصاروا شيعة رغبة في الدنيا و تصنعا، فلما توفي علي بن موسى رجعوا إلى ما كانوا عليه من الإرجاء.
5ـ و فرقة كانت من الزيدية الأقوياء منهم و البصراء لزيد فرجعوا عن مقالتهم و دخلوا في القول بإمامة علي بن موسى عندما أظهر المأمون فضله و عقد على الناس بيعته، تصنعا للدنيا، و استكالوا الناس بذلك عصرا، فلما مضى علي