1 ـ القول بأن الله تعالى هو الذي نصب و عين الأئمة وفرض طاعتهم على العالمين وحرم الجنة على من لم يعرفهم أو لم يتبعهم، مع نسبة صفات الأنبياء لهم مثل أن الوحي يأتيهم و أن عند كل منهم صحيفة خاصة من الله تعالى يؤمر بالعمل بها، و أنهم شجرة النبوة و موضع الرسالة و مختلف الملائكة، يأتيهم الملاك و يسمعون صوته وإن كانوا لا يرونه، و أن روح القدس الذي يكون للنبي ينتقل بعده للإمام .. الخ ـ كما نجد ذلك في عدد من الروايات في كتبنا الحديثية الأساسية خاصة أحاديث كتاب الحجة من كتاب أصول الكافي [1] [1] ، حيث نسبت إليهم في بعض الروايات صفات تفوق حتى صفات الأنبياء، أي لا يوجد في القرآن مثلها حتى للأنبياء أولي العزم، أي الرسل أصحاب التشريع، فضلا عن الأنبياء ذوي النبوة التبليغية فقط! [2] [2] ـ أقول أن مثل هذا القول لا يتناسب مع قاعدة ختم النبوة التي هي موضع اتفاق جميع فرق المسلمين و إجماع الأمة قاطبة.
إذ أن نصبَ الله تعالى و تعيينه أئمةً بمثل تلك الخصائص التي هي من خصائص الأنبياء و فرضَ طاعتهم على كل بني الإنسان ـ، سيكون بمثابة بعث أنبياء جدد بعد نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل إن تلك الخصائص المذكورة للأئمة عليهم السلام أعلى و أهم من خصائص الأنبياء المبلغين الذين كانوا يبعثون لتأييد و تبليغ رسالة النبي الذي سبقهم [3] [3] ، أو على الأقل ليست دونهم مرتبة، وهذا لا يتفق أبدا مع مبدأ ختم النبوة، فإذا كانت العهود التي سبقت نبينا الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) احتاجت لمثل أولئك الأنبياء المبلغين بعد أنبيائهم، فإن عهد الرشد الذي وصلت إليه البشرية بعد خاتم النبيين و سد باب النبوة و الرسالة نهائيا، برسالة سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبقِ مجالا لبعث أنبياء بعده. فإن قيل: لا أحد يعتبر أو يسمي الأئمةَ أنبياءَ، بل رواياتنا تمنع و تكره تسميتهم بذلك بشدة، قلنا إن ذلك لا يغير من حقيقة الأمر شيئًا، فالعبرة ليست بالاسم بل بالمعنى، فإذا نسبت لأولئك الأئمة كل أوصاف الأنبياء و خصائصهم الإلهية مثل التعيين من الله تعالى و فرض طاعتهم على العالمين ووحي الله تعالى إليهم بواسطة الملاك وروح القدس الخاص بالأنبياء و عصمتهم المطلقة و أن كل واحد منهم عنده كتاب خاص من الله تعالى يعمل به، و أن معرفتهم و الإيمان بهم شرط النجاة الأبدية يوم القيامة ... الخ، فهم كالأنبياء بكل معنى الكلمة و إنكار ذلك مجرد تلاعب بالألفاظ.
(1) كحديث أن الأئمة عليهم السلام: (( .. شجرة النبوة وموضع الرسالة و مختلف الملائكة ) ) (أصول الكافي: كتاب الحجة: ج1 / ص 221 فما بعد) ، و أنهم: (( مُحدَّثون يسمعون صوت الملاك ولكنهم لا يرون و لا يعاينون الملاك ) ) (المصدر السابق: ج1/ 176 ـ 177) ، و أنهم: (( خزان علم الله وتراجمة أمر الله، نحن قوم معصومون أمر الله تبارك و تعالى بطاعتنا و نهى عن معصيتنا، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض .. ) ) (المصدر السابق: ج1 / ص 269 ـ 270) ، و أن: (( روح القدس به حمل النبوة فإذا قبض النبي(صلىلله عليه وآله) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام .. )) (المصدر السابق: ج1 / ص 270 فما بعد) ، و (( أن في الأنبياء و الأوصياء خمسة أرواح: روح القدس وروح الإيمان و روح الحياة و روح القوة و روح الشهوة ... فبروح القدس عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى ... ) ) (المصدر السابق: ج1 / ص 271 فما بعد) . وأن: (( الأئمة لم يفعلوا شيئا و لا يفعلوا إلا بعهد من الله عز وجل لا يتجاوزونه، و أن الله عز و جل أنزل على نبيه(صلىلله عليه وآله وسلم) كتابا قبل وفاته فقال: يا محمد هذه وصيتك إلى النخبة من أهلك ... علي بن أبي طالب و ولده عليهم السلام، و كان على الكتاب خواتيم من ذهب كل إمام يفك خاتما و يعمل بما فيه ثم يدفعه لمن بعده فيفك خاتما ويعمل بما فيه ... الحديث )) (المصدر السابق: ج1 / ص 279 فما بعد، الحديث 1 و 4) . بل في حديث صريح منسوب للإمام الصادق عليه السلام: (( الأئمة بمنزلة رسول الله(صلى الله عليه و آله) ، إلا أنهم ليسوا بأنبياء و لا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي، فأما ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه و آله) . )) (المصدر السابق: ج1 / ص 270) . ( x)
(2) كالأحاديث التي تصف علم الأئمة عليهم السلام بأنهم: (( يعلمون ما كان و ما يكون و أنهم لا يخفى عليهم شيء ) ) (أصول الكافي: كتاب الحجة: ج1 / ص 260) ، وأنهم: (( يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة و الأنبياء و الرسل ) ) (المصدر السابق: ج1 / ص 255 فما بعد) ، و أن: (( الإمام لا يخفى عليه كلام(لغة) أحد من الناس و لا طير و لا بهيمة و لا شيء فيه الروح .. )) (المصدر السابق: ج1 / ص 285) ، و أن: (( عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عز و جل و أنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها ) ) (المصدر السابق: ج1 / ص 227) ، و أن: (( أعمال العباد تعرض عليهم في الصباح والمساء .. ) )المصدر السابق: ج1 / ص 219 فما بعد)، و أن: (( عندهم ألواح موسى و عصاه وقميص آدم(الذي ألقي على وجه يعقوب فارتد بصيرا) وخاتم سليمان (الذي كان يسخر به الجن والشياطين) .. )) (المصدر السابق: ج1 / ص 231 ـ 232) .
أو الأحاديث التي تصف خلقتهم بأوصاف خارجة عن أوصاف سائر البشر مثل أن: (( للإمام عشر علامات: يولد مطهرا مختونا و إذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعا صوته بالشهادتين، و لا يجنب، تنام عينيه و لا ينام قلبه، و لا يتثاءب و لا يتمطى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، و نجوه كرائحة المسك والأرض موكلة بستره و ابتلاعه ... الحديث ) ) (أصول الكافي: كتاب الحجة / باب مواليد الأئمة عليهم السلام، حديث رقم 8، ج1 / ص 385 فما بعد) ، و رواية أخرى أن الإمام: (( إذا وقع من بطن أمه وقع واضعا يديه علىلأرض رافعا رأسه إلىلسماء، فأما وضعه يديه على الأرض فإنه يقبض كل علم لِلَّه أنزله من السماء إلى الأرض، وأما رفع رأسه إلى السماء فإن مناديا ينادي من بطنان العرش من قبل رب العزة من الأفق الأعلى باسمه و اسم أبيه يقول: يا فلان بن فلان، اثبت تثبت، فلعظيم ما خلقتك، أنت صفوتي من خلقي و موضع سري و عيبة علمي و أميني على وحيي و خليفتي في أرضي ... فيجيبه(الإمام المولود) واضعا يديه رافعا رأسه إلى السماء: {شهد الله أن لا إله إلا هو و الملائكة و أولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} آل عمران/ 18 )) (المصدر السابق نفس الكتاب و الباب: حديث رقم 1) ، و أن الإمام يمكن أن يقوم بالحجة و هو ابن ثلاث سنين! (المصدر السابق: ج1 / ص 321، الأحاديث 10 و 13) ، و أن: (( الله خلقهم من نور عظمته وخلقت أبدانهم من طينة مخزونة لم يخلق منه أحد إلا الأنبياء .. الحديث ) ) (المصدر السابق: ج1 / ص 389) . ( x)
(3) أي مثل كثير من أنبياء بني إسرائيل الذين لم يبعثوا برسالة أو كتاب جديد، بل كانوا على شريعة التوراة و إنما بعثوا للهداية و إرشاد الخلق و إحياء التوراة و العمل بالدين و نصرته، مثل يوشع بن نون وصموئيل و حزقيل ودانيال و ... و زكريا و يحيى و مئات الأنبياء الذين كان يبعث العشرات منهم أحيانا في نفس الوقت. (مت)