و أنا أعتقد أن الذين يصرون كل هذا الإصرار على الإمامة المنصوص عليها من الله، لم يدركوا كما يجب معنى ختم النبوة.
و قد ألف أحد الفضلاء المعاصرين و هو العلامة الشيخ الأستاذ"مرتضى مطهري"كتابا قيما باسم"ختم النبوة"شرح فيه بشكل ممتاز فلسفة ختم النبوة ـ هذا رغم أنه بقي على القول بالإمامة بالنص دون أن ينتبه إلى أنها تتناقض مع لوازم نظريته ـ، و من المفيد هنا أن ننقل بعض العبارات من كتابه ذاك، قال: (( إن رسالة نبي الإسلام تختلف عن رسالات سائر الأنبياء الذين سبقوه بأنها من نوع القانون لا البرنامج المفصل، أي أنها دستور عام للبشرية(ص 26) . (( وحي هذا النبي هو في مستوى دستور كلي أبدي ) ) (ص 30) . (( النبي الخاتم هو الذي طوى جميع المراحل و لم يبقِ ـ من ناحية الوحي الإلهي ـ أي طريق لم يُطرَق أو نقطة لم تُكتَشف ) ) (ص34) . (( الوحي الإلهي أعلى مظاهر الهداية و أرقى درجاتها. الوحي يتضمن إرشادات خارجة عن متناول الحس و الخيال و العقل و العلم، ولذلك لا يمكن لشيء من هذه الأمور أن يحل محل الوحي. و لكن الوحي الذي له تلك الخواص هو الوحي التشريعي لا التبليغي، أما الوحي التبليغي فعلى العكس. طالما لم تصل البشرية بعد إلى درجة النضوج الكامل في العقل و العلم و المدنية بحيث يمكنها أن تقوم بنفسها بحمل رسالة الله و القيام بمهمة الدعوة و التعليم والتبليغ و التفسير و الاجتهاد، فإن الحاجة للوحي التبليغي تكون لا زالت باقية. ظهور العلم و العقل و بعبارة أخرى وصول الإنسانية لمرحلة الرشد و البلوغ، ينهي تلقائيا مرحلة الوحي التبليغي، حيث يصبح العلماء هم ورثة الأنبياء ) ) (ص 47) . (( في الواقع، أحد أركان الخاتمية هو البلوغ الاجتماعي للبشر إلى الحد الذي يصبحون معه قادرين على حفظ مواريثه العلمية و الدينية و القيام بنشرها وتعليمها و تفسيرها ) ) (ص 13) .
و إذا رأينا أن نبيا من أنبياء بني إسرائيل يقوم ـ بأمر الله تعالى ـ بتعيين"طالوت"ملكا عليهم (البقرة/ آية 246) ، و هو ما يدعي مثله القائلون بالإمامة بالنص بالنسبة للأئمة عليهم السلام، فإن هذا إنما تم (بالنسبة لطالوت) لأنه كان من الأمور التي ـ على حد قول الأستاذ مطهري ـ: (( لا بد أن تتم بالوحي في مرحلة طفولة البشرية ) ) (ص 87) أي المرحلة التي تكون البشرية فيها لا تزال بحاجة لكلا نوعي النبوة: التشريعي و التبليغي. (( فقد كانت البشرية، قبل عدة آلاف من السنين، غير متمكنة من الحفاظ على مواريثها الدينية و العلمية و لم يكن من الممكن توقع خلاف ذلك منها ) ) (ص 12) لأنها لم تبلغ في إمكانياتها ووسائلها و رشدها الاجتماعي و السياسي و الفكري إلى الحد الذي يمكنها من المحافظة على تراث الأنبياء نقيا بلا تغيير و لذا كانت (( التحريفات والتبديلات تظهر في تعاليم الأنبياء و كتبهم المقدسة ... و بالتالي كانت تلك الكتب والتعاليم تفقد صلاحيتها لهداية الناس ) ) (ص 11) . و لكن بعد نزول قوله تعالى {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر/آية 9) (( انتفى الداعي الرئيس للرسالات الجديدة و لبعث أنبياء جدد ) ) (ص 12) . و على حد قول المفكر الباكستاني محمد إقبال اللاهوري: (( لا يمكن للبشرية أن تبقى للأبد بمرحلة الطفولة و الحاجة للإرشاد من الخارج. إلغاء الكهانة و الملك الوراثي في الإسلام، و التأكيد الدائم في القرآن الكريم على العقل و التجربة، و الأهمية التي أولاها ذلك الكتاب المبين للطبيعة و التاريخ كمصادر للمعرفة البشرية، كل هذا مظاهر مختلفة لفكرة واحدة هي ختم الرسالة ) ) [1] [4] .
لذلك نرى ـ في ضوء ما ذكر أعلاه ـ أن النص من جانب الله، على إمامة و حكم أفراد معينين، إن تم مثله قبل ختم النبوة، ـ مع أننا لم نجد مثل تلك الأوصاف الخارقة التي تنسَب للأئمة عليهم السلام حتى للأنبياء المبلغين السابقين! ـ فإنه ليس معقولا و لا يمكن أن يتم بعد ختم النبوة و الرسالة بنوعيها التشريعي والتبليغي.
2 ـ إن تعيين و نصب عدد معين من الأشخاص سواء اثنا عشر أو إحدى عشر أو سبع .. الخ لحكم البشرية و سياستها لمدة مئات آلاف السنين إلى يوم القيامة أمر مخالف للعقل و للمنطق و لواقع الحياة، لأن المدة التي يمكن لهؤلاء الاثني عشر شخصا أن يعيشوا فيها و يحكموا الناس فعلا، لن تتجاوز المائتين وسبعين إلى ثلاثمائة عام! في حين أن الإسلام دين أبدي خالد، والمسلمون يحتاجون لحاكم فعلي يسوسهم و ينفذ فيهم أحكام الله تعالى في جميع الأزمنة و الأعصار، حيث لا يجوز تعطيل أحكام الشرع و لا للحظة واحدة. فلا بد أن يكون الشارع المقدس قد بين الطريق و المنهج الكلي في قضية الحاكم واختياره عندئذ، لأنه لا يمكن أن يترك الشرع هذا الأمر الحياتي دون أن بيان إطاره أو خطوطه العريضة الكلية للناس و هو الدين الأبدي الكامل. فإذا أقر القائلون بالنص على وجود مثل هذا التعليم لكن قيدوه بما بعد انتهاء عهد ظهور الأئمة المنصوبين المنصوص عليهم، أرجعنا نحن نفس هذا التعليم إلى كل الفترة الزمنية التي تتلو رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم القيامة بلا استثناء، لأنه لا يمكن أن يكون هناك تفاوت في تعاليم الشرع بين فترة زمنية و فترة أخرى أي لا يمكن أن يكون لجزء من زمان ما بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تعليم ما و لبقية هذا الزمان إلى يوم القيامة تعليم آخر، إلا بدليل، و لا دليل لدينا أصلا إلا مجرد الادعاء.
3 ـ النص من جانب الله تعالى على أشخاص معينين بأسمائهم ليكونوا حكاما على الناس، في العصر الذي بلغت فيه البشرية سن الرشد و ختمت به النبوات و حُفِظ فيه الكتاب السماوي الخالد بلا تغيير أو تبديل أ زيادة أو نقصان، أمر لا ينسجم مع فلسفة التشريع و هدف الخلق الذي هو ابتلاء الناس وامتحانهم. فقد صار على المسلمين الآن أن يديروا مجتمعاتهم بأنفسهم و يُمْتَحنوا في مدى التزامهم بالعمل بمشيئة الله و تعاليم كتابه. عليهم ـ بالرجوع إلى أوامر الشرع المقدس و نواهيه ـ أن ينتخبوا رئيسهم و أن يميزوا بين الصالح و الطالح و بين المتقي و الفاجر، ثم يكونوا رقباء عليه يطيعوه و يعينوه إذا أصاب و يسددوه و يقوموه إذا انحرف، أما إذا عين الله تعالى فردا أو أفرادا مخصوصين لحكم و سياسة المسلمين على الدوام، فإن كل فلسفة ابتلاء الناس وامتحانهم وفتنتهم هذه تبطل، وتصبح كل أوامر و نواهي الشرع التي تبين من تجب طاعته ومن يتوجب عصيانه، بلا معنى، حيث يخرج الاختيار من يد الفرد والجماعة عندما يتوجب عليهم الطاعة العمياء للقائد الحاكم الذي له القدرة، بسلطته، على إجبار الناس على تنفيذ أقواله واتباع أوامره، خاصة
(1) كل ما ذكر بين المعقوفتين في الصفحات الثلاث الأخيرة اقتباسات من كتاب"ختم النبوة"للأستاذ الشيخ مرتضى مطهري، نشر دار صدرى، طهران.