أن القائلين بالنص يعتقدون أن المنصوص عليهم معصومون مطلقا فلا مجال للسؤال و النقاش عند إطاعة أوامرهم. هذا في حين أننا نرى أن القرآن الكريم آيات عديدة تحدد من تجب طاعته و من تجب معصيته:
فأولا: ليس في القرآن الكريم أمر بالطاعة المطلقة إلا لِلَّه و رسوله فقط و ما، وذلك في قوله تعالى: {قل أطيعوا الله و الرسول ... } آل عمران/32، {و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ... } النساء/64، {من يطع الرسول فقد أطاع الله ... } النساء/80. أما ما عدا الله تعالى و رسوله فطاعته مشروطة بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول، و أولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول، إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا} النساء/ 59.
و ثانيا: حددت كثير من الآيات صفات من تجب طاعته كقوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه ... } التوبة/ 100، {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهِدِّي إلا أن يهدى؟ فما لكم كيف تحكمون؟} يونس/35، {و اتبع سبيل من أناب إلي} لقمان/15، {و قال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} غافر/38. و نحوها من الآيات الكريمة.
في حين بينت آيات عديدة أخرى صفات من تجب معصيتهم و تحرم طاعتهم، مثل: {و لا تتبع سبيل المفسدين} الأعراف/142، {و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان أمره فرطا} الكهف/28، {و لا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض و لا يصلحون} الشعراء/151 ـ 152، {و لا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} الجاثية/18، {فلا تطع المكذبين. ودوا لو تدهن فيدهنون. و لا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم} القلم/ 8 ـ 13، {فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا} الإنسان/24، {و من ... و يتبِّع غير سبيل المؤمنين نوَلِّه ما تولى و نصله جهنم ... } النساء/ 115.
فلو كان ثمة أئمة منصوص عليهم و معصومون، و بالتالي الوحيدون الذين تجب طاعتهم المطلقة على المؤمنين، لقال الشارع عليكم طاعة فلان و فلان فقط، و لما كان هناك حاجة لمثل تلك الأوامر و النواهي الكلية! في حين أن هذه التعاليم تعتبر دستورا تسترشد بها الأمة في تعيينها لحاكمها، و تميز به بين اللائق لهذا المقام ومن لا يليق به. أي أن زمن المسؤولية حل ابتداء من عهد ختم النبوة. في الواقع إن الإسلام أكثر حسن ظن بالبشرية من القائلين بالإمامة المنصوصة. [1] [5]
4 ـ لم يكن لأي نبي من الأنبياء السابقين و لا في أي شريعة من الشرائع الإلهية الماضية أئمة منصوص عليهم و حكام معصومون يجب على الأمة طاعتهم تعبدا و ديانة، و لا كان لأي من الأنبياء السابقين وصيا معينا للحكومة. و الادعاء بأن لكل نبيٍّ وصيٌّ نصَّ عليه ليخلفه في شأن الحكم واستلام زمام الأمور ادعاء عار من الحقيقة و لا أساس له، و لا غرو فمثل هذا لو حصل يكون، كما أوضحنا سالفا، نقضا للغرض المراد من وراء تشريع الشرائع، أعني امتحان الناس واختبارهم، إذ يسلب من الناس (المحكومين) مجال الاختيار و التمييز بين الصواب و الخطأ في كل فعل وأمر، و القرآن المجيد و العقل السليم لا يصدقان مثل هذا الادعاء، كما لا يوجد في التاريخ ما يؤيده.
نعم يمكن للنبي أن يعين وصيا أو أوصياء للقيام بأمور شخصية خاصة مثل غسله و كفنه و دفن جثمانه و أداء ديونه أو القيام بشأن عياله وأولاده الصغار ونحو ذلك، أما تعيين وصي ليكون إماما و حاكما و رئيس سلطة بأمر الله فهذا ما لا يفعله لأنه مخالف و مناقض لحقيقة الدين والغرض منه. فليس إذن في دين الإسلام، الذي هو في الحقيقة الدين الأساس و النبع الذي نبعت منه جميع الرسالات السماوية، مثل هذا الأمر.
5 ـ فور وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قام المهاجرون و الأنصار، دون إضاعة للوقت، بالاجتماع في سقيفة بني ساعدة لتعيين الرئيس الذي سيكون حاكما عليهم، و أخذوا يتناقشون و يتشاورون لتحقيق هذا الغرض مما يفيد أن هذا الأمر سبيله، في نظرهم، هو البحث والتشاور، و أن إقامة الحاكم هو بلا شك واجب شرعي ضروري على المسلمين، و لم يأت خلال المناقشات، كما بينا، أي ذكر لكون الحاكم لا يُختار بل هو منصوص عليه من الله، و من البديهي أنه لو كان للحكومة أي ارتباط بالنص و التعيين الإلهي، لوقعت الإشارة لذلك و لذكَّر به البعض على الأقل، مع أن أحدا لم يتكلم بمثل هذا أبدا، و لا أحد طلب من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينصب لهم الحاكم بنفسه لأنهم كانوا يدركون أن هذا مناف لأصل التكليف.
6 ـ لم يُسْمَع في تاريخ جميع حكومات الدنيا منذ أن وُجدت الدولة والحكومة على وجه الأرض، بحكَّام منصوص عليهم من الله ومعينين من قِبَلِه إلا لدى القائلين بذلك من الشيعة! اللهم إلا لدى الملوك الجبابرة كفراعنة مصر وملوك فارس وأباطرة اليابان و الصين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أبناء الشمس و وارثي السلطان على الدنيا (و أن الملك حقهم الإلهي) تتوارثه ذريتهم جيلا بعد جيل. ومثل هذا الادعاء كان من الممكن أن يلقى قبولا في قرون الظلام وعصور الجهل القديمة، أما اليوم و بفضل نور الدين و العلم، لم يعد لمثل هذه الادعاءات رونق ولا قبول، سيما أن الناس رأت كيف أنه لما يصبح المُلْكُ وراثيا فسيأتي إليه لا محالة من لا يتصف بالصفات الضرورية للحاكم كالعلم و العدالة و السياسة والشجاعة.
7ـ في تاريخ الأديان الحقة، لم نجد إلا في بني أسرائيل، حادثة قيام أحد أنبيائهم بنصب ملك (طالوت) عليهم ـ بناء على طلب منهم ـ ليجاهدوا في سبيل الله تحت لوائه، كما أخبرنا الله تعالى في سورة البقرة. و لكن طالوت الملك على الرغم من أن الله تعالى اصطفاه لهم لما أوتي من بسطة في العلم و الجسم، إلا أنه لم يكن معصوما، بل عندما قَتلَ داودُ جالوتَ، و كان طالوتُ قد وعد من قَتل جالوت أن ينكحه ابنته، لكن بعد أن صارت لداود شعبية و غدى محبوبا في بني إسرائيل خشي طالوت منه على ملكه فسعى في قتله فعلم داود ذلك ففر منه ... إلى آخر ما جاء في التواريخ التي ذكرت هذه القصة. فتبين أنه لم يكن هناك شيء اسمه
(1) أرجو أن ينتبه القراء جيدا لهذه النقطة. فكما يقول الأستاذ مرتضى مطهري: (( لقد كان وضع البشر في الأدوار السابقة يشبه تلميذ المدرسة الذي يعطى كتابا ليتعلم منه، فإذا به يحوله إلى مزق بعد عدد من الأيام، أما البشرية في الدور الإسلامي(دور ختم النبوة) فتشبه العالم كبير السن الذي يعتني بكتبه و يحفظها غاية الحفظ رغم رجوعه المتكرر إليها )) (كتاب ختم النبوة، ص 49) . ( x)