فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 94

إمامٌ أي حاكمٌ معصومٌ، حتى بالنسبة لذلك الحاكم المنصوب و المعين قطعا من قبل نبي من أنبياء الله!

أحد القضايا التي يغفلها الكثيرون و لا يميلون للبحث فيها في موضوع الإمامة بالنص هو دراسة خلفية حادثة الغدير أي الأمور التي حدثت في السنة العاشرة للهجرة و كانت الأرضية الأساسية التي أدت لواقعة الغدير، في حين أن الاطلاع على هذه الخلفية ضروري جدًا للفهم الصحيح لخطبة غدير خم.

خلاصة قصة الغدير، طبقا لما روته كتب التاريخ الإسلامي مثل سيرة ابن هشام (الجزء الرابع، الصفحة 274) التي هي أقدم كتب السيرة المتوفرة، و تواريخ و تفاسير الفريقين الشيعة و السنة، كتفسير جمال الدين أبي الفتوح الرازي [1] [6] وتفسير ابن كثير و تاريخ البداية و النهاية لابن كثير أيضا و كتاب مجالس المؤمنين (الجزء الأول، صفحة 43) للقاضي نور الله الشوشتري [2] [7] وغيرها، ما يلي:

في السنة العاشرة للهجرة توجه رسول الله صلّىلله عليه وآله إلى مكة المكرمة ليؤدي مناسك الحج الإسلامي و يعلّمها الناس و لتكون فرصة يعطي فيها المسلمين الذين انضووا تحت رسالته آخر وصاياه، وأرسل صلّىلله عليه وآله رسائل إلى رؤساء القبائل العربية و عماله في نواحي الجزيرة العربية يدعوهم فيها إلى المجيء لمكة في أيام الحج ليؤدوا المناسك معه، و كان من جملة الرسائل كتابٌ بعث به إلى علي بن أبي طالب عليه السلام الذي كان في ذلك الحين في اليمن، حيث كان صلى الله عليه وآله وسلم بعثه لجمع أموال الزكاة فيها، دعاه فيه كذلك إلى الحضور لمكة أيام الحج، فوصل الكتاب لعليٍّ و هو في اليمن أو في طريقه من اليمن إلى المدينة حاملا أموال الزكاة، فرأى عليه السلام أنه لو أراد أن يأتي مكة بما معه من أموال بيت المال ـ التي كان أغلبها في ذلك الوقت من المواشي كالإبل و البقر و الغنم ـ لما استطاع الوصول إلى الحج في الوقت المطلوب، لذا اضطر أن يوكل أمر حمل أموال الزكاة 'إلى الذين كانوا برفقته، كأبي بريدة الأسلمي و خالد بن الوليد و غيرهما، و ينطلق بمفرده مسرعا إلى مكة، فوصل مكة و لقي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم السابع أو الثامن من ذي الحجة، و بعد أداء مناسك الحج، قفل راجعا إلى طريق اليمن ليكمل مهمته في حمل أموال بيت المال، فلقي القافلة وهي في طريقها إلى المدينة، و وجد بريدة الأسلمي وخالد بن الوليد تصرّفا في بعض أموالها، سيما بعض الحلل اليمنية، فغضب ـ كما هي عادته تجاه أي تصرف شخصي ليس في محله في بيت مال المسلمين ـ فنهر بريدة و خالدا و وبخهم على صنيعهم، وفي بعض التواريخ أنه عليه السلام سبهم و ضربهم، فكبر ذلك عليهم، لا سيما أنهما كانا من الوجهاء والأكابر في قومهما، فحملا في قلبهما الحقد على علي و استعدا للانتقام لأنفسهما فأرسلا شخصا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، الذي كان في طريق عودته من مكة إلى المدينة، و في بعض التواريخ أنهم ذهبوا إليه بأنفسهم، و اشتكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنف وتشدد علي معهم، لدرجة أن بعض التواريخ تذكر أنهم سبوا عليا في محضر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و لما رأوا علامات الغضب على وجهه و ظنوا أنه غضب لأجلهم من علي، واصلوا الشكوى بلهجة أكثر حدة، عند ذلك نهاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و منعهم من هذا الكلام و ذكر طرفا من فضائله، وكان مما قال:"ارفعوا ألسنتكم عن علي فإنه خشن في ذات الله غير مداهن في دينه"أو"ما لكم و لعلِيّ! علِيٌّ منّي و أنا منه و هو وليّ كلّ مؤمن بعدي"أو"من كنت مولاه فعلِيٌّ مولاه".

لكن خالدا و بريدة و الآخرين كانوا قد أساؤا القول من قبل بحق عليٍّ أمام الصحابة الآخرين بما فيه الكفاية، و لعلهم استمروا في ذلك حتى بعد نهي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم، مما شوّه صورة علي في ذهن عديد من الصحابة، لا سيما أن عددا منهم لم يكن قد تعرّف على عليٍّ بعد، فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك، شعر أنه لا بد من الدفاع عن شخصية حضرة عليّ البارزة االمتميزة و يعرّف المسلمين بعلو مقامه و ذلك قبل أن يتفرق المسلمون هنا و هناك عائدين إلى بلدانهم [3] [8] ، ثم بالإضافة لكون الدفاع عن شخصية مؤمن مسلم ممتاز أمرًا لازما و واجبا شرعا، فإنه مما لا شك فيه أيضا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يميل في قلبه إلى أن يرتضي المسلمون من بعده عليا لولاية أمرهم و إمامتهم و حكمهم، لهذا كله قام (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أثناء توقفه لصلاة الظهر بجوار غديرٍ يُدْعى خُمَّا ـ بإلقاء كلمة عقب الصلاة أشار فيها لدنو رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) و لمقام أهل بيته ثم عرَّف المسلمين بذلك الجناب (أي علي) وبيّن وجوبَ موالاته ومحبته على كل مسلم، لكن ما قاله و بينه لم يكن معناه أبدا النص عليه بالخلافة والإمارة بأمر الله تعالى و حكمه، و ذلك للدلائل العقلية والنقلية التي سبقت و التي ستأتي إن شاء الله.

(1) تفسير رَوح الجَنان و رُوح الجِنان"تصحيح علي أكبر غفاري، جيد4 / ص 275 إلى 277."

(2) هو ا السيد نور الله بن شريف الدين الحسيني المرعشي التستري أو الشوشتري الهندي، يعرف بالشهيد الثالث، متكلم فقيه إمامي دافع عن المذهب و رد على مبطليه في عدة كتب شهيرة، توفي مقتولا سنة 1019 هـ. (مت)

(3) و إلا لو كان القصد من التوقف و خطبة الغدير هو إعلان إمارة علي (ع) فلماذا لم يفعل النبي (ص) ذلك في خطبة حجة الوداع أولا لأنه كان يحضرها آلاف المسلمين و ثانيا لأنه كان (ص) بذلك يطلع جميع أهل مكة على إمامة علي و يقيم عليهم الحجة بذلك؟! أو لماذا على الأقل لم يخطب هذه الخطبة في المدينة ليطلع عليها ويسمعها جميع أهل المدينة ـ الذين لعبوا الدور الأول و الأساسي في تولية أبي بكر؟! ( x)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت