الله لا يهدي القوم الكافرين موجها لأصحاب رسول الله أولئك المسلمين المؤمنين الذين فرغوا لتوهم من أداء فريضة الحج مع رسول الله؟؟ هل كان هذا هو الثواب و الجزاء الذي أثاب الله تعالى به الذين أتموا فريضة الحج اتباعا لأمر الله و رسوله صلّىللّه عليه وآله، فاعتبرهم كافرين غير مستحقين للهداية؟؟ هذا مع أنه تعالى هو نفسه كان قد مدح أولئك الأصحاب في عشرات الآيات قبل هذه الآية و بعدها؟ ألا يوقع تفسير القائلين بالنص لهذه الآية، ألا يوقعهم في نسبة التناقض لكلام الله ـ و العياذ بالله تعالى ـ؟؟ ثم إن الآية تأمر بإبلاغ"ما أُنْزِلَ إليك"و هو تعبير يراد به الوحي القرآني بالذات، فأين الآيات التي ذُكِر فيها النص على علي بالخلافة والإمامة؟ وكيف سيتم إبلاغ إمامة و خلافة علي ببلاغ ما أنزله الله تعالى إلى الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) من القرآن، مع أنه لا توجد فيه آية واحدة صريحة أو حتى غير صريحة حول هذا الموضوع؟
(قال بعضهم) : صحيح أن في القرآن آيات في مدح الصحابة، لكن فيه، في مقابل ذلك، آيات عديدة أيضا تدل على أنه كان من بينهم كثير من المنافقين و ذلك كالآيات التالية: في سورة النساء/61: { ... رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} و في سورة المنافقون: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله و الله يعلم إنك لرسوله و الله يشهد إن المنافقين لكاذبون} إلى آخر السورة، و في سورة الحشر/11 و ما بعدها: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب .. } ، و في سورة الأحزاب /12: {وإذ يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله و رسوله إلا غرورا} ثم الآية 60: {لئن لم ينته المنافقون و الذين في قلوبهم مرض .. } . و أوضح ذلك ما جاء في سورة التوبة التي من أسمائها الفاضحة لأنها فضحت المنافقين، ففي الآية 64 منها يقول الحق: {يحذر المنافقون أن تُنَزَّلَ عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم .. } و في الآية 101: {و ممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم .. } و نحوها كثير في السورة.
الجواب: هذا الاعتراض منشؤه إما الجهل أو الغرض. نعم كان يوجد بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) منافقون، لكنهم كانوا متميِّزين بصفات خاصة يبرأ منها بقية أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ، و يمكن من تتبع آيات القرآن الكريم أن نميِّز المنافقين عن غيرهم من عدّة وجوه:
أ) قسم كبير من المنافقين الذين جاء ذمهم في القرآن الكريم، هم المنافقون الذين امتنعوا عن السفر و الخروج مع رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى غزوة تبوك، وقد نزل قسم كبير من آيات سورة التوبة (من الآية 38 إلى آخر السورة) في ذمهم و كشف أحوالهم و أقوالهم وأعمالهم، و لكن جاء خلال ذلك أيضا، في نفس السورة، مدح صادقي الصحابة و ذكر أوصافهم العالية التي تميزهم عن المنافقين.
مثلا في قوله تعالى: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما و يستبدل قوما غيركم (إلى قوله) : إلا تنصروه فقد نصره الله .... (إلى قوله) : عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا و تعلم الكاذبين} يذم تعالى المنافقين بعدم نصرتهم للرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و عدم نفرهم معه للجهاد و اعتذارهم الكاذب بأنهم لو استطاعوا لخرجوا معه، و يعاتب الله تعالى ويعفو عن رسوله (صلى الله عليه و آله و سلم) لإذنه للمنافقين بعدم الخروج معه. ... لكنه تعالى يقول بعد ذلك: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله و اليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم و أنفسهم و الله عليم بالمتقين} التوبة/44، مما يبين أن الذين جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في تلك الغزوة هم غير أولئك المنافقين القاعدين ولا تنطبق عليهم آيات الذم تلك.
و الآن للنظر من هم أولئك الذين اعتذروا عن الخروج للجهاد واستأذنوا للقعود؟ هل كانوا هم أصحاب القرار في بيعة السقيفة؟ ... أبدًا، إن أدنى من له معرفة بالسيرة و تاريخ صدر الإسلام و أسباب النزول، يعلم أن هؤلاء المنافقين و المتخلفين و القاعدين و كذلك الذين ذمهم الله تعالى على لمزهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشأن الصدقات، كما قال عز شأنه: {و منهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا و إن لم يُعطَوْا منها إذا هم يسخطون} التوبة / 58، لم يكونوا أبدا في سقيفة بني ساعدة و لا كان لهم حلٌّ و لا عقدٌ فيها أصلًا.
و أما الآية الكريمة التي تذكر وجود منافقين في أهل المدينة و فيمن حولها: {و ممن حولكم من الأعراب منافقون و من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ... } التوبة /101 فقد جاء قبلها تماما قوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} و جاء بعدها بعدة آيات أيضا: {لقد تاب الله على النبي و المهاجرين و الأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة .... } التوبة /107، و عليه فلا يمكن لأحد مهما كان مغرضا أو جاهلا أن يجعل المهاجرين و الأنصار في عداد المنافقين، لأن القرآن فرق بين الفريقين و قابل بينهما مقابلة النور والظلام و الإيمان و الكفر، فكيف يسوي بينهما إلا مجنون أو رجل أعمى التعصب بصيرته؟! إن الذين مدحهم القرآن لم يُبْتَلَوْا أبدا بالنفاق أو الردة و هذا أمر في غاية الوضوح و الظهور، علاوة على أن آيات القرآن لا يناقض بعضها بعضا، وأن العقل و الوجدان لا يمكنهما أن يصدِّقا أبدا اجتماع حالة (الإيمان الكامل ومدح القرآن مع الردة و النفاق) بحق